‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقلات فلسفية حول الاخلاق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقلات فلسفية حول الاخلاق. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 يونيو 2015

تعارض القيمة الاخلاقية مع الدوافع الطبيعة


تعارض القيمة الاخلاقية مع الدوافع الطبيعية .
المقدمة
تحرّك الإنسان دوافع كثيرة ومتنوعة (عضوية, نفسية, اجتماعية) نحاول إشباعها من أجل تحقيق التوازن مع ذاته ومع الآخرين لكن حقيقة الإنسان لا تتجلى في إشباع الدوافع فقط. بل في قدرته على التمييز بين الخير والشرّ بحثًا عن السلوك الأفضل وهذا ما يعرف في الفلسفة بموضوع "الأخلاق", غير أن أساس القيمة الأخلاقية مسألة تحتاج إلى تحليل من أجل تحديد مصدر الإلزام الخلقي وهي مسألة تعددت فيها الآراء بتعدد أبعاد الشخصية والإشكالية التي تطرح نفسها:هل هناك تعارض بين القيم الخلقية والدوافع الفطرية في الإنسان ؟ بمعنى هل تُؤسّس الأخلاق على المنفعة أم العقل؟
الرأي الأول الأطروحة
 ترى النظرية النفعية أن مصدر الإلزام الخلقي يكمن في طبيعة الإنسان, التي تدفعه إلى طلب اللّذة والتمسّك
بها والنفور من الألم (فاللذة هي الخير والألم هو الشر) والإنسان برأيهم أناني يبحث دائما عن مصلحته والقيم التي يؤمن بها هي التي تتوافق مع هذه المصلحة, تعود هذه الأطروحة إلى آراء الفيلسوف اليوناني "أرستيب القورينائي" الذي قال {اللذة هي الخير الأعظم هذا هو صوت الطبيعة فلا خجل ولا حياء} وهو يرى أن اللذة الفردية هي أساس العمل الخلقي, غير أن "أبيقور" فضّل اللذات المعنوية عن اللذات الحسية مثل التأمل الفلسفي ومحور حياة الإنسان هو اللذة فهي شرط السعادة وهي مقياس الأفعال وهذا ما تؤكده العبارة الشهيرة {اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها هي ما ننطلق منه لنحدد ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه}. وفي العصر الحديث ظهر ما يسمى مذهب "المنفعة العام" على يد الفلاسفة الإنجليز ومنهم "بنتام" الذي نقل موضوع الأخلاق من المجال الفلسفي التأملي إلى المجال التجريبي وهذا ما يتجلى في مقياس حساب الذات حيث وضع مجموعة من الشروط وقال {اللذة إذا اتحدت شروطها كانت واحدة لدى جميع الناس}ومنها شرط "الشدّة" أي شدة اللذة أو ضعفها هو الذي يحدد خيريتها أو شرها وشرط "الصفاء" أي وجوب كون اللذة خالية من الألم لكن أهم هذه الشروط على الإطلاق هو "المدى" أي امتداد اللذة إلى أكبر عدد ممكن من الناس وهكذا الإنسان عندما يطلب منفعته بطريقة عفوية هو يطلب منفعة غيره, غير أن تلميذه "جون ستيوارت ميل" نظر إلى موضوع المنفعة من زاوية الكيف وليس الكمّ وفي نظره أن شقاء الإنسان مع كرامته أفضل من حياة الخنزير المتلذذ وهذا المعنى أشار إليه في أحد نصوصه {أن يعيش الإنسان شقيّا أفضل من أن يعيش خنزيرا رضيا, وأن يكون سقراط شقيا أفضل من أن يكون سخيفًا سعيدًا}فالأخلاق تُؤسس على المنفعة
نقد: إن هذه الأطروحة نسبية لأن المنفعة متغيرة مما يعني عدم ثبات القيم الأخلاقية ومن ثمَّ إمكانية حدوث فوضى إجتماعية.
الرأي الثاني (نقيض الأطروحة): ترى النظرية العقلية أن الأخلاق الحقيقية يجب أن تُؤسّس على ما يميّز الإنسان عن الحيوان وقصدوا بذلك العقل الذي هو مصدر الإلزام الخلقي في نظرهم وهو القاسم المشترك بين جميع الناس والعقل يستطيع تصوّر مضمون الفعل ثم الحكم عليه, فعلامة الخير عند "سقراط" أنه فعل يتضمن فضائل وعلامة الشر أنه فعل يتضمن رذائل, ورأى "أفلاطون" أن محور الأخلاق هو الفعل فقال {يكفي أن يحكم الإنسان جيّدًا ليتصرف جيّدًا} وفي نظره الإنسان لا يفعل الشرّ وهو يعلم أنّه شرٌّ وإنما الجهل هو سبب ذلك, ورأى "أرسطو" أن الأخلاق تجلى في السلوك المعتدل وقال في كتابه "الأخلاق إلى نيقوماخوس" {الفضيلة وسط بين رذيلتين} ومن الأمثلة التي توضح هذه الفكرة أن الشجاعة خير لأنها وسط بين الجبن والتهوّر والعدل خير لأنه وسط بين الظلم والإنظلام. وفي العصر الحديث أرجع "كانط" الإلزام الخلقي إلى العقل وقسّم فلسفته إلى ثلاثة أقسام العقل النظري الذي يدرس المعرفة وطرق بنائها والعقل العملي الذي يشتمل على الدين والأخلاق والعقل الجمالي ورفض إرجاع الأخلاق إلى سلطة خارجية (الدين, المجتمع) لأن في ذلك سلب لحرية الإنسان ورفض المنفعة لأنها متغيّرة والأخلاق عنده تأتي استجابة لسلطة العقل أي أداء الفعل احتراما للقانون العقلي في ذاته فيظهر الفعل الأخلاقي عن حريّة ويصبح كلّياً, قال "كانط" {اعمل بحيث بحيث يكون عملك قانونا كلّياً} ويتميّز بالمثالية ويكون دائما مطلوبا لذاته قيل {عامل الناس كغاية لا كوسيلة} فالأخلاق مصدرها العقل.
نقد: هذه الأطروحة نسبية لأنها اهتمت بدور العقل في بناء الأخلاق وتجاهلت دور الدين ثم أن العقل ليس ملكة معصومة من الخطأ.
التركيب
يطرح المشكل الأخلاقي في المقام الأول إشكالية المعيار والأساس وكما قال "جون ديوي" {لا تظهر المشكلة الأخلاقية إلا حين تعارض الغايات ويحتار المرء أيّها يختار} ومن هذا المنطلق نرى أن المذهب العقلي أخذ صورة مثالية متطرفة من خلال الاكتفاء بالعقل وحده وإهمال عنصر [الدين] وهنا تظهر مقولة "فيخته"{الأخلاق من غير دين عبث} وبيان ذلك أن جوهر الأخلاق هو الإلزام وحسن الخلق. وهذا ما أشار إليه "أبو حامد الغزالي" في كتابه [إحياء علوم الدين] {حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل والشرع مطيعة} فالأخلاق الحقيقية تُؤسس على الفطرة السليمة وتفاعل العقل مع النصوص الدينية والمُتغيّرات الاجتماعية وكما قيل {للشرع التنوير وللعقل الاجتهاد}.
الخاتمة
وفي الأخير الأخلاق بحث فلسفي قديم تبحث في ما يجب أن يكون عليه سلوك الإنسان وهي قسم من "فلسفة القيم" طرح الكثير منالإشكالات أهمها مصدر الإلزام الخلقي حيث تضاربت آراء الفلاسفة وتعددت تبعاً لأبعادشخصية الإنسان وكل مذهب نظر إلى مصدر القيم نظرة أحادية هذا الذي جعلنا نتجاوز هذهالمذاهب نحو رؤيا متكاملة تجمع بين العقل والنصوص الدينية والمتغيرات الاجتماعيةورغم أن حركة الجدل الفلسفي لا يمكن أن تتوقف عند حلٍّ نهائيٍ إلا أنه أمكنناالخروج بهذا الاستنتاج :"الأخلاق الحقيقية هي التي تتوافق مع شخصية الإنسان بكاملأبعادها

هل القيمة الخلقية موضوعية ام ذاتية

هل القيمة الخلقية موضوعية ام ذاتية ؟
مقدمة : 
-اتفق علماء الأخلاق على أن يكون موضوع الأخلاق  هو دراسة للسلوك الإنساني وهو موضوع متفق بينهما وبين علم النفس لكنها تختلف عنها لكونها لا تدرس السلوك كما هو وإنما كما يجب أن يكون ونلاحظ ان لكل مجتمع قيم خلقية فهي تتنوع باختلاف المجتمعات والعصور  بل تختلف  باختلاف الطبقات والأشخاص انفسهم  ولكن ما نلاحظه هو ان جميع المجتمعات تتفق على مبدأ الأخلاق الصوري المتمثل في استحسان بعض الاعمال وواجب القيام بها واستهجان بعض الأعمال وواجب النفور منها فلا يمكن تصور اخلاق غير مرتبطة بالخير والشر أي إننا نلجأ الى تقييمنا وفق معيار ما يجب ان يكون عليه الفعل مستقبلا ولكن الاختلاف يكمن في تقييمنا وحكمنا على الأفعال فقد يحكم البعض على  ان يضرب الاب ابنه بقسوة قصد تاديبه بانه فعل حسن في حين يستهجنه الغير ولهذا علينا ان  نتساءل : هل القيمة الخلقية للفعل مستقلة ومنعزلة عن ارادة ورغبة  الشخص الذي يحكم ام ان كل قيمة أخلاقية هي قيمة يمنحها الفرد وفقا لرايه الشخصي لفعل معين ؟ او بتعبير آخر : هل القيمة الخلقية موضوعية ام ذاتية

تحليل الموقف:
الذي يرى ان القيمة الخلقية هي موضوعية او مطلقة : يذهب أصحاب هذا الطرح من أصحاب الفلسفة التقليدية وغيرهم الى اعتبار القيم غايات قسوى وليست وسائل لغايات ابعد منها فهي تحمل قيمتها في باطنها ولا تتغير بتغير تضره الناس إليها ولا تختلف باختلاف  الظروف التي تكيف حياة الناس وتغير من رايهم  في الأشياء والأفعال لأنها قائم في طبائع الأشياء لا خارجها ويرى – أفلاطون- ان القيمة الخلقية  ثابتة ومستقلة عن الإنسان وانطلق من مبدا مناقص لمبدا السفطائيين الذي يقول الالاه مقياس الأشياء كلها وليس الإنسان ويرى ان عالم الاشاء الذى نعيش فيه وندركه هوضل عالم المثل وان الاشاء التى نراها فى الواقع متشاركة بدرجات متفاوتة الحقائق المماثلة لمعانى العالم العلوي والتى تتميز بالكلية والثباة بالحقائق مثل العدل والخير والفضيلة لا وجود لها عند أفلاطون فهي توجد اولا في عالم المثل قبل ان توجد في عالم الحس وعليه فالفكرة مقياس وجود كل شيء في الواقع لان كل ما نراه  قيم اخلاقية جزئية مثل الصدق والأمانة هي في الأصل قيم كلية ذاتية او مطلقة توجد في عالم المثل ويدركها الانسان فقط عن طريق العقل لان روحه كانت تقيم في عالم المثل قبل انصالها بجسده ولكن اتحاد الروح مع الجسد لم ينسيها ما كانت عليه وبقيت لها ذاكرة تسترجع من خلالها القيم الخلقية الأصلية وعليه فالإنسان  لا يصنع لبقيم الاخلاقية لان وجوده سابق عليه هي ثابتة وكلية واحدة عند جميع البشر ومن ثم فهي موضوعية وهذه النظرية القديمة عرفت عند – المعتزلة- في ردهم على أهل السنة من المسلمين حيث ترى المعتزلة بزعامة – واصل بن عطاء- ان الخير والشر عقليان أي ان العقل هو ذاتنا الأساسية في التمييز بين الخير والشر وبالتالي هو مصدر الإلزام الأخلاقي وتؤكد المعتزلة انه لم يكن الخير والشر عقليان لحس من الذي لكل شيء ولم لم يكن الخير والشر معلومات قبل ورود الشر لاستحال ان يعلم عند وروده ويكون الشرع قد جاء بما لا يعقله السامع ولا يتصوره كما عرفت هذه النظرية في مطلع العصر الحديث عند الذين انكرو علماء اللاهوت في الغرب موقعهم من الافعال الخيرة والشريرة مع العلم ان القيم الاخلاقية عند اصحاب النزعة التقليدية تتميز بخصائص هي انها عاصة وليست خاصة وضرورية غير عرضية لان الحياة لا تستقيم بدونها كما انها واضحة بذاتها ولا تستقي ببرهان ان يكفي ان يفهمها الإنسان ليسلم بصوابها فهي لا تحمل التناقض أي يستحيل جعل نقيضها قاعدة عامة للسلوك الإنساني مثلا لا يستطيع احد ان يدعي ان من حقه ان يكون ضالما ولا هو يقبل ان يقع عليه الظلم من الغير فنقيض المبدا الخلقي مستحيل

نقد :
وهنا نتساءل فنقول هل استطاع اصحاب هذا الطرح : هل الاشكال بالنسيبة للقيمة الخلقية تتعلق بالصورة التي ينبغي ان يكون عليه السلوك الانساني فان القول باستغلالها يفقدها حيويتها وفاعليتها التي لا يمكن فصلها عن طبيعته وحريته فلو كانت القيم الاخلاقية مطلقة لما تغيرت بتغير الزمان والمكان والتاريخ فهذا الاخير يشهد ان القيم الاخلاقية السائدة في المجتمعات الحديثة تختلف اختلافا اساسيا عن القيم الاخلاقية التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة وهذا ما ذهب اليه دعاة الطرح الثاني.
نقيض القضية :
تحليل الراي القائل ان القيم الأخلاقية ذاتية او نسبية حيث يرى اصحاب هذا الطرح ان القيم الأخلاقية ذاتية لان الفرد في نظرهم هو الذي يختار ويفكر فيها قصد تايسها وتوضيحها وترتيبها وفقا لسلم القيم الذي يتصور عزل القيم عن ييولوجيا الفرد  وقديما نصح السوقطائيون الإنسان بعدم الاهتمام بالأمور الالاهية  التي لا يعرف عنها شيئا وان يشتغل الا بما يقع في النطاق انسانية وعليه ان يعتمد على ذاته في اصدار الاحكام لانه مستقل عن كل الاسباب الخارجية واستغلاله يظهر في مجال الاخلاق والسياسة فما يظهر له خير فهو خير وما يظهر شر وما يترتب على هذا هو ان القيم بصفة عامة والقيم الخلقية بصفة خاصة تابعة للانسان ووجودها متوقف على وجودهم يرون ان السلوك ليسوا في مجموعة من الظواهر الخلقية الجزئية التي ترتبط بصاحبها باعتباره فردا يعيش في ظروف معينة وفي بيئة وزمن معينين وحينئذ تتيسر دراسة هذه الظواهر في مناهج التجربة الحسية فمن الطبيعي ان ينكر هؤلاء الطبيعيون امكانية وجود علم معياري يدرس ما ينبغي ان يكون لانه ليس بكائن وما لي بكائن يستحيل دراسته دراسة علمية ومن الواضح ان القول بنسبية القيم ياتي في مقدمة النتائج التي تترتب على هذا الاتجاه الذي يقول اصحابه ما من فضيلة الا وكانت عند بعض الناس رذيلة وما من رذيلة الا وكانت عند بعض الناس فضيلة لان الناس يختلفون باختلاف ثقافتهم ومعتقداتهم وسائر مقومات حضارتهم  وهذا ما اكده – جون بول سارتر- حي اكد ان كل انسان يصنع قيما بنفسه ما دامت الحرية هي نسيج وجوده ان الخير والشر في نظره من ابداع الانسان ويقول : لا يوجد غيري فانا وحدي الذي اقرر الخير واخترع الشر. ويرى انه لا يوجد شيء يرغم الانسان على الافعال يكون بكل حرية  ويختار لنفسه ما يشاء من القيم والاخلاق – سارتر-  لا وجود لها الا بوجود الانسان وليس لها في ذاتها كيان مستقل عن ذاته  أي الاشياء لا تحمل في ذاتها قيما بل الانسان هو الذي يمنحها اياها وفي ه\ا الصدد خير – برغسون- بين نوعين من الاخلاق : اولا الاخلاق المغلقة وهي الاخلاق التي يجدها الانسان في مجتمعه وهي ذات صلة وثيقة بالعادات والتقاليد ومميزاتها الاساسية هي ان الفرد ملزم باحترامها ولم يساهم في ايجادها وثانيا الاخلاق المتفتحة وهي اخلاق المصلحين وغيرهم وتتميز بحدتها وعدم انسجامها مع الاخلاق والعادات والتقاليد لانها قيم جديدةابدعها بعض الافراد الذين يرفضون الاخلاق التي تنشا وعليها ومنه هل وفق اصحاب هذا الطرح فيما ذهبو اليه؟

مناقشة:
في الواقع لا يمكن ان ننكر ان الفرد الانساني هو محور العملية الاخلاقية لكن ربط هذه القيمة بالانسان وتعليل وجودها بميوله ورغباته يفقدها خصائصها الروحية  وهنا يتناقض مع الروح الاخلاقية السامية ويتعارض مع كل تنظيم اخلاقي يطمح الى تحقيق الكمال الانساني م ان القول ينفي المبدا الكلي بدعوى اختلاف نظرة الناس الى الفعل الواحد لا يكون في المبدا وانما في التطبيق مع حالات خاصة وجزئيةفقتل النفس رذيلة من حيث المبدا ولكن سيصير غير اخلاقي في حالات استثنائية كافشاء الاسير لاسرار وطنه

التركيب :
وهنا يحق لنا التوفيق بين الطرحين فنقول : ان القول بذاتية القيم الخلقية هي لكيانها المستقل واثبات لاثر الانسان في وجودها كما ان القول بانها مطلقة هي نفي لاثر الانسان فيها واثبات وجودها المستقل اذن القيم الاخلاقية هي موضوعية وذاتية في نفس الوقت.

 خاتمة:
ونستخلص من كل ما سبق ان القيمة الاخلاقية من صنع الفرد الذي يعيش داخل مجتمعه ويجعل سلوكه منسجما مع مقتضيات الجماعة ومصالح المجتمع والقيم ذاتية في مستواها الفردي وموضوعية في ممارستها الاجتماعية.     

هل الأخلاق مطلقة أم متغيرة *اي ثابت ام متغير*

مقدمة:
إن المذاهب الأخلاقية وجدت نتيجة محاولة الفلاسفة فهم و تفسير الأخلاق العلمية أي السلوك اليومي للناس و من الخلافات التي واجهها هذه المذاهب هو أساس وطبيعة القيمة الخلقية و قد تعددت هذه المذاهب تبعا لتعدد وجهات النضر حول القيم الخلقية و الأخلاق عبارة عن قيم و أفعال تقوم على أحكام تقديرية تصبوا إلى التوجيه نحو ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني وغايتها ومن هذا الإرشاد و التقويم وفي هذا الصدد هناك من أعتبر القيمة الخلقية مطلقة و البعض الأخر اعتبرها نسبية و هذا يدفعنا إلى طرح الإشكال 

الأتي: هل الأخلاق مطلقة أم متغيرة؟

القضية:الأخلاق ثابت أي واحدة مطلقة لكونها تقوم على جملة من المبادئ و الثوابت بمعنى أن الأخلاق موضوعية و واحدة تتجلى هذه الوحدة في كون هذه القيم نابعة من الدين الذي هو إلزام متعالي ألاهي وهو الاعتقاد بوجود مبدأ أعلى مفارق للطبيعة، واعتقادنا هو الذي يدفعنا إلى أداء واجبات اتجاه الإله كما أن القيم الخلقية القائمة على أساس ديني تعتبر تشريع مطلق ومقدس وأيضا فيه دعوة صريحة للنضر في النصوص الشرعية وهذا يبدو جليا في باب الاجتهاد والأصول لتهذيب السلوك الغريزي الإنساني، إن القيم و السلوكات و الأفعال الخيرة تدعوا إليها كل الكتب السماوية ففعل السرقة منبوذ في كل الديانات في حين العدل و الاستقامة والفضيلة أفعال مستحبة ومستحسنة في كل الكتب باختلاف الزمان والمكان و الأفراد و الجماعات . كما أنه قد تكون
واحدة نظرا لمطلقية العقل لكون العقل ملكة فطرية وهبنا الله إياها لإدراك الحقائق المطلقة و الحقائق الخالدة يرى أصحاب النظرية العقلية أن أساس القيمة الخلقية للعقل فما هي كائن هي التي تفسر قيمته و هذه الماهية ثابتة مطلقيه لا تتأثر بزمان فهي صادرة عن مبادئ عامة و يقينية منزهة عن كل منفعة خاصة أو عامة في القتل و الكذب و الخيانة فهي أفعال ذميمة لأنها تحمل الرذيلة أما الصدق و الأمانة و الإحسان هي أفعال مستحبة لأنها تحمل الفضيلة لذا اعتبرها أفلاطون حكمة سامية غرضها الخير الأسمى . قال أفلاطون : "إن الخير فوق الوجود شرف و قوة " .وهذا لا يعني أن الخير لا وجود له و إنما يعني أن وجوده أسمى كحقيقة مثالية من الوجود الواقعي و أن القوى العاقلة هي قمة الفضالة .
و يرى كانظ : أن القواعد الأخلاقية مصدرها العقل لكونه الواجب و هذا الأخير و يقوم على الإرادة الحرة و يقصد بالإرادة الحرة . الإرادة الخيرة المنزهة من كل نفع مادي و إن الإنسان يدرك بعقلة القانون و يصرف بموجبه و مقتضاه فالواجب إلزام نفرضه على أنفسنا بمحض إرادتنا .
نقد : لكن تأسيس الأخلاق على الدين و العقل و إرجاعها إلى هذان العاملان فحسب لا يفسر تعددها ولا تنوعها الذي يفرضه الواقع على الفرد باعتبار الإنسان كائن إجماعي يتأثر بمبادئ الجماعة التي ينتمي إليها . ولقد جاءت أخلاق كانط متسمة بصورية و الجمود متجاهلة لمشاعر الناس وأحاسيسهم ، وهي أخلاق صالحة لتوجيه الكائن العاقل بصورة خالصة لا مشاعر له ولا عواطف ومثل هذا الإنسان لا نجده في الواقع ، بل نجده في عقل كانط وحده ومنه فأخلاق كانط مثالية لذا يقول بيڤي :" أن يدا كانط نقيتان لكنه لا يملك يدين ".

نقيض القضية :

إن الأخلاق النسبية متغيرة لان الإنسان لا يعيش لذاته و لا في عزلة من غيره بل أن أفعاله و سلوكه صورة للآخرين و منه يؤكد الاجتماعيون بان الأخلاق ظاهرة اجتماعية لكونها إلزام و ضعه المجتمع و على الفرد الامتثال لها لاعتبارها عضو في الجماعة و يرى دوركايم أن الوقائع الاجتماعية من الأسباب الغير شخصية لأنها مستمدة من المجتمع لذا يقول : ليس هناك سوى قوة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع قوانين للناس هي المجتمع .
و يقول أيضا :"الفرد دمية يحرك خيوطها المجتمع " إذا إن الضمير الفردي انعكاس للضمير الجمعي " إذا تكلم الضمير فينا فإن صوت المجتمع هو الذي تكلم " أما ليفي برول فيذهب إلى استبعاد المفهوم المعياري للأخلاق معتبرا الأخلاق ظاهرة اجتماعية تهتم بما هو كائن و ظاهرة متغيرة يمكن ملاحظتها و يرى ابن خلدون : أن المرء ابن بيئته و مرآة عصره .
أما أنصار اللذة المعدلة أنصار أبيقور فهي تمثل طبيعة القيمة الخلقية في اللذة وحجتهم هي إذا عجز الإنسان عن تحقيق اللذة تألم و تألم كان شقيا و العكس صحيح فتحقيق سعادة الإنسان تتوقف على مدى إشباع اللذات وهي تعرف تعاليم أبيقور الشهيرة وكذالك لان الإنسان يطلب اللذة وينفر من الألم والفطرة والطبيعة " اللذة صوت الطبيعة " أما أنصار المنفعة فالخير عندهم شئ محسوس قابل للحساب والتقدير الكمي يقول جون ستيوارت مل:"أفضل أن أعيش تعيسا على أن أكون خنزيرا .

نقد:

لقد جعل هذا الاتجاه اللذة ومنفعة متغيرة والدوافع متقلبة غاية للأفعال الإنسانية هذا شانه شأن اتجاه أخلاق الاجتماعية ومن هنا فاللذة ومنفعة كمعيارين ذاتيين متغيرين لا يمكنهما أن يكونا قاعدتا الأخلاق لأن ارتباط الأخلاق بهما يجعلها مادية ويفقدها روحيتها . كما أن هناك من ثار على القيم والمبادئ السائدة في مجتمعه كسياسيين و المصلحين والأنبياء و الرسل و العلماء (غاليلي).

التركيب:

إن القيمة الخلقية الحقة هي التي تراعي ثنائية الإنسان العقل و الطبيعة البشرية أي التوفيق بينهما وبين متطلبات الواقع بما فيها من نزوع نحو الخير ونحو الشر.
يقول الله تعالى:"ونفس وما سواها فألهمها فجورها و تقواها" ويقول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-:"و إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا".

الخاتــــــــــــــــــمة:

هناك قيم مطلقة ثابتة واحدة في كل المجتمعات و الأديان كفعل السرقة الذي هو مستهجن في كل المجتمعات وفعل الكرم فعل مستحب لدى الجميع.
ومنه فمهما تعددت الأخلاق في أساسها ومصدرها فهي واحدة في طبيعتها ومن حيث الهدف و الغاية التي تحملها أي السلوك وتهذيبه وتقويمه والارتقاء به وتبقى الأخلاق مبدأ ثابت ومطلق نسعى دوما إلى تحقيقه.

العقل هو المعيار الأساسي للقيم الأخلاقي *الاسقصاء بالوضع*

مقالة في الأخلاق بطريقة الاسقصاء بالوضع
السؤال المشكل :إذا افترضنا الأطروحة القائلة (أن العقل هو المصدر الأساسي للقيم الأخلاقية ) أطروحة فاسدة وتقرر لديك الدفاع عنها وتبنيها فما عساك أن تفعل ؟
إعادة صياغة السؤال بطريقة أخرى ":اثبت الأطروحة التالية  العقل هو المعيار الأساسي للقيم الأخلاقية
طرح المشكلة
          إن مشكلة أساس القيمة الخلقية هي من أقدم المشكلات الفلسفية واعقدها التي اختلف حولها الفلاسفة والمفكرين منذ فجر التاريخ وتناولوها وفقا لأرائهم واتجاهاتهم الفكرية فإذا افترضنا أن الأطروحة القائلة( إن العقل هو المعيار الأساسي للقيمة الخلقية ) فكيف يمكننا إثبات صحة هذه الأطروحة وما هي الحجج والأدلة التي تثبت تؤكد ذلك ؟
محاولة حل المشكلة
 عرض منطق الأطروحة   يعتقد أنصار الاتجاه العقلي وفي مقدمتهم الألماني كانط أن العقل هو الأساس والمصدر لكل قيمة خلقية. لأنه الوسيلة التي يميز بها الإنسان بين الخير والشر. وهو الذي يشرع ويضع مختلف القوانين والقواعد الأخلاقية التي تتصف بالكلية والشمولية أي تتجاوز الزمان والمكان . ويرى كانط أن الأفعال الحسنة هي أفعال حسنة في ذاتها والأفعال السيئة هي أفعال سيئة في ذاتها وقد اعتبر كانط الإرادة الخيرة (النية الطيبة)الدعامة الأساسية للفعل الأخلاقي والشرط الذي ينبغي توفره في الإرادة هو الواجب ولهذا تسمى الأخلاق الكانطية –أخلاق الواجب  وفي هذا يقول (إن الفعل الذي يتسم بالخيرية الخلقية فعل نقي خالص فكأنما هو قد هبط من السماء ذاتها) وما نستنتجه أن الواجب عند كانط أمر مطلق ,وان العقل العملي هو مصدر لكل قيمة أخلاقية وليست هناك أي سلطة خارجية تفرض نفسها على الإنسان
تدعيم الأطروحة بحجج شخصية
-
الأحكام العقلية توافق الأحكام الشرعية ,الدين جاء مخبرا عما في العقل(رأي المعتزلة) أولوية العقل على الشرع كما أن الكثير من الآيات القرآنية يأمر الله سبحانه وتعالى فيها الإنسان باستعمال العقل (فاعتبروا ياأولي الأبصار) سورة الحشر الآية 2)(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة الاية44)( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون)
-
التأمل والتدبر والتفكر في الكون يكون عن طريق العقل
-
جميع الناس يملكون بالفطرة المبادئ العقلية – الأحكام العقلية أحكام عالمية يقول ديكارت (العقل هو اعدل قسمة بين الناس .)وهذا بالإضافة إلى أن المجنون لا يستطيع التميز بين أفعال الخير والشر وهذا لافتقاده العقل ., والله سبحانه وتعالى رفع القلم عن الصبي والنائم والمجنون لأنهم لا يملكون العقل
عرض خصوم الأطروحة ونقدهم:   عرض منطقهم أساس القيم الأخلاقية هي المنفعة
مسلماتهم: إن أفعال الإنسان لا تكون خيرا إلا إذا حققت له منافع .وان أدت إلى ضرر أو عطلت نفعا كانت شرا .وبهذا تكون القيمة الخلقية للأفعال الإنسانية متوقفة على نتائجها وأثارها الايجابية .ويعتقد ارسيتبوس إن اللذة صوت الطبيعة إذ تفرض نفسها على كل الأفراد .وما عليهم إلا أن يخضعوا لها دون حياء أو خوف من أوضاع المجتمع وقيوده لان اللذة القصوى هي الغاية الوحيدة للحياة بل هي مقياس كل عمل أخلاقي .إنها الخير الأعظم ومقياس كل القيم .ويقول ابيقور-إن الناس ينشدون في حياتهم اللذة بدافع فطري -. ولهذا اعتبر اللذة هي الخير الأسمى الألم هو الشر الأقصى .أما جرمي بنتام فقد نظر للأخلاق نظرة تجريبية ويرى أن الإنسان بطبعه يميل إلى اللذة ويتجنب الألم ويبحث عن المنفعة ويتحاشى المضرة وهذا يعني حسبه أن الأفعال التي تتولد عنها اللذة أو المنفعة تعتبر أفعالا خيرة .أما الأفعال التي يتولد عنها الألم أو المضرة فهي أفعال شريرة .وهو نفس الطرح تقريبا الذي ذهب إليه مواطنه
جون ستيوارت ميل إلا انه اختلف معه في مسألة تقديم المنفعة الخاصة عن العامة .إذ أن الخير عنده يتمثل في ضمان اكبر سعادة للجماعة عوض الفرد.
نقد الخصوم  لا يمكننا إقامة الأخلاق على أساس المنفعة . لان منافع ومصالح الناس مختلفة ومتضاربة.وما يحقق منفعة لي قد يكون مضرة لغيري ولهذا يقال (مصائب قوم عند قوم فوائد)فالحروب ينتج عنها الكثير من الأضرار والخسائر لدى البعض ولكن لدى البعض الأخر -تجار الأسلحة- هي فرصة للربح لا تعوض ،كما أن ربط القيم الأخلاقية باللذة والألم يحط من قيمة الإنسان .وينزله لمرتبة الحيوان.
حل المشكلة: إن العقل هو المصدر والمعيار الأساسي لكل القيم الأخلاقية وهذا لأنه هو ما يتميز به الإنسان عن غيره .ولان أحكامه تتصف دوما بالثبات والوضوح والكلية والشمول ،ومنه فان الأطروحة القائلة( إن العقل هو المقياس الأساسي للأخلاق)أطروحة صحيحة في سياقها ولا يمكننا اتهامها بالفساد.


هل استجابة الفرد لمصالحه يعد انحرافا عن الأخلاق

                                  
-  هل القيمة الخلقية للفعل تتوقف على نتائج الفعل فقط ؟                                
- هل استجابة الفرد لمصالحه يعد انحرافا عن الأخلاق ؟
المقدمة :
يقوم الإنسان بسلوكات منها الآلي ومها الإرادي هذه الأخيرة يخضع البعض منها إلى الأحكام التقديرية فقد تكون مستحسنة كما قد تكون مستهجنة وبمعنى أوسع منها ماهو خير ومنها ماهو شر .
  ولقد كانت القيمة الخلقية محل اهتمام الفلاسفة إذ درسوها من جوانب مختلفة كتحديد طبيعتها و تحديد الأساس والمبدأ الذي يكون بموجبه الفعل خيرا أو يكون شرا .
  والإشكال المطروح يتمثل في : هل القيمة الخلقية للفعل تتوقف على نتائجه أو أن قيمته تكمن في الفعل في حد ذاته ؟     
التوسيع :
الرأي الأول :( الموقف القائل:إن القيمة الخلقية للفعل تتوقف على نتائجه )
    ذهب بعض المفكرين من مذهب اللذة و المنفعة إلى أن اللذة و المنفعة هي الخير الأقصى وانه من الواجب تحصيلها ,بينما الألم هو الضرر الذي يجب تحاشيه أي أن أخلاقية الفعل تتوقف على نتائجه وآثاره. وان اللذة أو المنفعة هي مقياس خيرية الأفعال .
  ومن دعاة هذا المذهب في العصر اليوناني الفيلسوف ( ارستيب ) الذي نفى أن تكون للفضيلة قيمة في ذاتها , وارجع كل قيمة خلقية إلى اللذة واستند في تبرير ذلك إلى أن الواقع يشهد بان الناس جميعا ينشدون اللذة وينفرون من الألم , فاللذة كما يرى هي صوت الطبيعة فلا خجل ولا حياء. ولما كان التفكير في المستقبل والعواقب مبعث الشقاء ومصدر الهموم فما على  الإنسان إلا اقتناص اللذة الحاضرة وان يعيش اللحظة فقط     ( لذة اللحظة ) .وأكد الفيلسوف ( ابيقور ) ما ذهب إليه( ارستيب) إلا انه عدل من مدلول اللذة وجعله أرحب وأنبل فاللذة تكون خيرا في ذاتها  إذا ترتب عنها لذة أعظم والألم قد يكون مرغوبا فيه إذا ترتبت عنه لذة اكبر  و الاعتدال في تحقيق اللذات يؤدي إلى التوازن الجسمي والنفسي ويكون ذلك بالاكتفاء بالقليل من اللذات  الطبيعية الضرورية ليخلو الجسم من الألم , أما النفس فيتحقق لها هدوؤها بالإقلاع عن طلب بعض اللذات غير الطبيعية والتي تعكر صفو الحياة كلذة المال ,كما يجب تخليص النفس من المخاوف الناشئة عن خشية  الآلهة و الموت .
وفي العصر الحديث أخذت أخلاق اللذة اسما آخر هو  (أخلاق المنفعة) ويعد (بنتام ) من رواده حيث نظر للأخلاق نظرة تجريبية ,واعتبر الطبيعة البشرية مصدرا للسلوك فالإنسان تحركه دوافعه وميوله نحو تحقيق منفعته الخاصة . وخير وسيلة  تعين الفرد على الوصول إلى اكبر قدر من المنفعة هي أن يتوخى الفرد في كل عمل يأتيه تحقيق اكبر مقدار من اللذة لأكبر  عدد من الناس . ويكون ذلك عن بالاعتماد على سلم حساب اللذات , فالخير محسوس ومقيس , وعامل امتداد اللذة وعدد الأفراد الذين يشتركون في الإحساس باللذة في وقت واحد معيار خيرية الفعل .
   واتفق ( جون ستيوارت مل ) مع بنتام في أن أخلاقية الفعل تتوقف على نتائجه دون بواعثه لكنه قدم المنفعة العامة على المنفعة الخاصة ولم يقتصر على  كم اللذة بل نادى بضرورة مراعاة كيفها : " فلو خير الفرد لاختار أن يكون إنسانا شقيا على أن يكون  خنزيرا متلذذا " .      
مناقشة:اللذة لا تصلح مصدرا للإلزام الخلقي لأنها تمثل جانبا واحدا في الإنسان هو الجانب الجسمي ,كما أنها ابسط درجات سلم القيم الأخلاقية و الإنسان قادر على تجاوزها .
   لا يمكن أن تكون المنفعة وهي ذات طابع شخصي أساسا للفعل الخلقي لأن الناس مصالحهم متباينة وهذا ما يترتب عنه ضرورة تصادم الناس، إن اعتماد اللذة أو المنفعة كمعيار في المجال الأخلاقي إنكار واضح للقيم الإنسانية السامية ومساواة بين الإنسان والحيوان الذي تسيره غرائزه وتجاهل تام لطبيعته العاقلة   .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          
الرأي الثاني :( الموقف القائل : القيمة الخلقية للفعل تكمن في الفعل في حد ذاته )
    ذهب البعض من الفلاسفة العقليين إلى أن العقل أساس الحكم على القيمة الأخلاقية للأفعال , فهو الذي يشرع ويضع مختلف القوانين والقواعد الأخلاقية التي تتصف بالكلية والشمول فحسب (سقراط)الخير هو الفضيلة و الفضيلة هي المعرفة فمن عرف كان فاضلا ومن جهل كان شريرا و أكد ( أفلاطون )  نفس الفكرة حيث قال :" يكفي أن يحكم الإنسان جيدا حتى يتصرف جيدا ".
  وفي العصر الحديث قرر (كانط) أن الواجب هو محور الأخلاق وهو مصدر الإلزام الخلقي ورأى أن من الخطأ رد الإلزام الخلقي إلى سلطة خارجية  كالدين أو القانون أو المجتمع فيجب أن تكون السلطة داخلية تتمثل في الواجب العقلي ورأى أيضا أنه من الخطأ رد الإلزام الخلقي إلى اللذة الحسية أو المنفعة العامة لأن الأخلاق الحقيقية يجب أن تؤسس على ما يميز الإنسان عن الحيوان وهو العقل وفي هذا قال كانط: "فلا بد أن يتحرر الفعل الخلقي لا من الغرض والهوى فحسب بل من عوارض الزمان والمكان و البيئة الثقافية ".       
إن الإنسان عند ( كانط )  لا يزن أحكامه الخلقية بالنظر إلى نتائجها أو زمانها ومكانها ولكنه يزنها بالقياس إلى قاعدة عامة صالحة للتطبيق على الجميع ومستقلة على جميع النتائج وقد اعتبر كانط الإرادة الخيرة الدعامة الأساسية للفعل الأخلاقي بل هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعد خيرا في ذاته دون أي قيد أو شرط  لأنها تستمد خيرتها من باطن ذاتها أي من صميم نيتها.و الإرادة التي يقصدها (كانط )  تلك التي لا قانون لها سوى قانون الواجب :" إن الفعل الذي يتم بمقتضى الواجب إنما يستمد قيمته الخلقية , لا من الهدف الذي يلزم تحقيقه , بل من القاعدة التي تقرر تبعا لها , فهو لا يعتمد إذن على واقع موضوع الفعل , بل علي مبدأ الإرادة وحده ."                                                                                                   
مناقشة: إن العقلين بصفة عامة و( كانط ) بصفة خاصة جعلوا  الإلزام الخلقي يصدر من العقل وحده  دون النظر لأوامر الدين ودون خوف من عقاب الله. كما أن الواجب بأوامره المطلقة لا يساعد الإنسان في حياته الواقعية على تدبير شؤونه العملية. و رفض الاستثناءات  في القواعد الخلقية يعني أن الظروف لابد أن  تأتي  دائما مواتية لمبادئ العقل ولكن قد تختلف في بعض الأحيان وتحتاج إلى استثناء. ثم إن الإرادة الخيرة كما صورها (كانط) جاءت في صورة سلبية فهي لا تهدف لشيء محدد في الواقع فعند ما لا نعمل عملا إلا إذا عرفنا انه يمكن تعميمه علي كل الناس فهذا لايكفينا لان نسلك سلوكا ايجابيا لذلك قال جاكوبي ناقدا مذهب كانط :" أن الإرادة الخيرة عند كانط أرادة لا تريد شيئا"
التركيب: تتبين من خلال عرض الرأيين المتناقضين مغالاة كل مذهب في ما ذهب إليه ؛ صحيح أن بعض الأفعال الأخلاقية يترتب عن القيام بها تحقيق لذة أو منفعة ولكن اعتبار اللذة أو المنفعة المبدأ الأساسي للفعل الخلقي في مطلق الأحوال فيه الكثير من المبالغة وحتى الخطأ وصحيح  أن العقل ملكة تمييز عند الإنسان يدرك به الحسن من الأفعال والقبيح منها لكته لوحده يبقى قاصرا فلا بد له من موجه وهذا ما رآه رجال الدين .
   أن المذهبين النفعي والعقلي تجاهلا تأثير الدين و المجتمع في تحديد القيم الأخلاقية وهذا أكده دوركايم " فالمجتمع ليس سلطة أخلاقية فحسب بل أن كل الدلائل تؤكد أن المجتمع هو النموذج والمصدر لكل سلطة أخلاقية , ولابد أن تكون أخلاق الفرد هي الأخلاق التي يطلبها المجتمع بالضبط ".
الخاتمة:

       إن موضوع أساس القيمة الخلقية من أبرز المواضيع التي أثارت جدلا كبيرا بين الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم الأخلاقية . ويعد  موقف المذهب الطبيعي (اللذة والمنفعة ) و المذهب العقلي من أهم المواقف الأصيلة في هذا الشأن . ومن خلال استعراض وجهتي نظرهما ومناقشتها يمكن أن نستنتج الآتي : القيمة الخلقية للفعل لا تتوقف على نتائج الفعل في مطلق الأحوال و لا تكمن في الفعل في حد ذاته بشكل دائم فمبدأ القيمة الخلقية ليس واحدا فقد تعددت مبادئ القيمة الخلقية بتعدد المذاهب الأخلاقية.

هل تصلح المنفعة كمعيار للأخلاق

مقالة جدلية: هل تصلح المنفعة كمعيار للأخلاق؟
1- مقدمة:
تحرك الإنسان دوافع كثير لكنه في كل الحالات لا يخضع سلوكه للغرائز كما هو حال الحيوان مثلا بل أكثر من ذلك بوصف ما يحيط به بل يسعى باستمرار إلى معرفة السلوك الأفضل وهنا يلجأ إلى إصدار أحكام التقييمية على أفعاله وأفعال غيره في محاولة لربطه للطابع الأخلاقي غير أن مسألة تحديد معيار الأخلاق أثارت الكثير من التساؤلات فالإشكالية التي تعبر عن ذلك هل تصلح المنفعة كمعيار للأخلاق؟
2- التوسع:
الرأي الأول:
يؤسس الاخلاق على معيار المنفعة فهو الأصلح والأنسب فالأخلاق هي امتداد وانسجام مع طبيعة الإنسان فالسلوك الأخلاقي يوافق السلوك الطبيعي فالإنسان بطبعه يطلب اللذة ويمسك بها وينفرد من الألم ويرفضه فاللذة هي الخير والألم هو الشر هذا هو شعاره.
إن جميع القائلين بمذهب المنفعة من ايغور إلى بنتان قصدوا باللذة خير وبالألم شر والواقع أن الأطروحة تقود بجذورها إلى الفلسفة اليونانية ممثلة في أرستيب الغورينائي حيث قال:" اللذة هي الخير الأعظم هذا هو صوت الطبيعة فلا خجل ولا حياء" فالأخلاق عنده استجابة لمطالب ورغبات الجسد وفيه ركز على اللذة الجنسية واعتبرها آنية تزول بزوال مسببها وما دام العقل يستطيع التذكر فاللذة الخيرة هي اتحاد الحس مع الذاكرة والحقيقة هو أن هذا المذهب يتحد ظهوره في الفلسفة الحديثة في الفكر الإنجليزي على يد بنتان ومول فالأول ربط المنفعة العامة بالأخلاق وجعلها اسبق من المنفعة الفردية وصاغ ذلك كله في مقياس أطلق عليه اسم مقياس حساب اللذات فاللذة الخيرة تتصف بمواصفات الشدة وعدم اختلاطها بالألم فهي نقية صافية دائمة مؤكدة وقوية وتحدث تلميذه استيوارت ميل حيث قال خير من إنسان أن يكون مفراطا ما إن يكون خنزيرا متلددا فالخير لا يقاس بالكم بل بالكيف وهذا ما يميز الإنسان عن الحيوان فالخير كله الخير عند أنصار الرأي الأول وهو استجابة لصوت الطبيعة.
نقد:
ليس دائما كل الم هو شر فالاستشهاد في سبيل الله هو قمة الخير بالرغم من الألم الذي يلحق بالشخص والخيانة هي قمة الشر وإن جلبت السعادة لصاحبها.
الرأي الثاني: النقيض.
يرى أنصار الرأي الثاني أن أساس الأخلاق ليس المنفعة بل العقل والمجتمع فعند النظرية العقلية تصورات الإنسان
وإدراكه هو الذي يؤسس الأخلاق حيث قال أفلاطون:" يكفي أن يحكم الإنسان جيدا لكي يتصرف جيدا" وقال قبله سقراط:" العلم فضيلة والجهل رذيلة" وتحدث في كتابه الأخلاق لنيقوماطوس عن دور العقل واعتبره مثل البوصلة وهو الفاصل بين الرذيلة والفضيلة فقال مقالته الشهيرة" الفضيلة وسط بين رذيلتين وضرب الكثير من الأمثلة لتوضيح فكرته الشجاعة وسط بين التهور والجبن والتواضع وسط بين الإدعاء والحياء ويتجلى المذهب العقلي في أفكار كانط حيث اعتبر العقل هو القادر على إعطاء الإنسان إنسانيته فلو كان الخير استجابة للغرائز ولتركيبتنا البيولوجية (فتسود الفوضى) سيكون متغير وستسود الفوضى ويبقى الاحتمال الواحد لخلق النظام ووضع مقياس الخير والشر الاحتكام إلى سلطة العقل فقال:" إعمل كما لو كنت تريد أن يكون عملك قانونا كليا عاما" وقال أيضا:" إعمل على أساس تعتبر فيه الناس غاية لا وسيلة" والحقيقة أن الطرح الاجتماعي يناقض الطرح النفعي ومبرر ذلك في شعارهم:" تبدأ الأخلاق حيث تبدا حياة الجماعة" عن تفكير الفرد هو انعكاس لتصورات الجماعة حيث قال دوكايم:" إذا تكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم" وهكذا فإن أنصار الطرح الاجتماعي ناقضوا أنصار الأطروحة النفعية.
نقد:
إن ربط الأخلاق بالعقل يفرغها من كل محتوى واقعي ثم إن محاولة ربطها بالمجتمع يلغي دور الفرد وهو أمر يخالف المنطق والواقع.
التركيب:
استند أنصار الطرح الأول على فكرة المنفعة ولكنها فكرة تبقى بعيدة عن الإجماع ومستحيلة التطبيق واستند أصحاب الطرح الثاني وأنصاره على العقل والمجتمع واغفلوا حقيقة هامة هي ارتباط الإنسان بالسماء وانطلاقا من هذه المقارنة رأى الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:" الأخلاق يجب أن تؤسس على نوازع الفطرة الإنسانية الطبيعية وكذا الإجماع الإنساني المرتبط بخالق الإنسان ولهذا قيل:" للشرع التنوير والعقل والاجتهاد" فالأخلاق تستند على الوعي كمعيار وعلى العقل كأداة للفهم وعلى روح الجماعة.


الأخلاق ظاهرة اجتماعية تتميز بشروطها الموضوعية (استقصاء بالوضع)

الموضوع: تحليل مقال فلسفي

نص المقال: (( الأخلاق ظاهرة اجتماعية تتميز بشروطها الموضوعية )) دافع عن هذه الأطروحة.

الطريقة: استقصاء بالوضع:
طرح المشكلة : مما لا شك فيه أن الإنسان مدني بطبعه وهذا لكونه يعيش في وسط اجتماعي حيث يتعهده المجتمع بالتربية والتثقيف فينمي استعداداته الفطرية ودوافعه النفسية وملكاته العقلية، ولذلك فإن الفرد ينشأ وهو مُدين للجماعة بكل شيء وما عليه إلا الخضوع للجماعة وما لها من نظم وعادات وبهذه الكيفية يكون الفرد انعكاسا للمجتمع، فالحياة الجماعية هي البيئة الأولى التي نتربى فيها، والمناخ الذي تتطور فيه قيمنا وأحكامنا وسلوكياتنا، ومن هنا يمكننا  طرح التساؤل فيا ترى كيف يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة : أن للمجتمع دور  في وضع القيم الأخلاقية؟ وماهي الحجج والبراهين التي تثبت صدق ذلك؟ 
محاولة حل المشكلة :
عرض منطق الأطروحة: إن الإنسان لا يعيش لذاته ولا في عزلة عن غيره، بل إن أفعاله تؤثر في الآخرين كما يتأثر بأفعالهم إن كانت خيرا أو شرا وانطلاقا من هذه المسلمة يؤكد الاجتماعيون بأن الأخلاق ظاهرة اجتماعية تتميز بشروطها الموضوعية ويجب دراستها دراسة وضعية قائمة على ربط الظاهرة بعواملها، فالواجب الاجتماعي إلزام وضعه المجتمع وعلى الفرد أن يمتثل لهذا الواجب باعتباره عضوا في جماعة، ويؤكد الاجتماعيون وعلى رأسهم إميل دوركايم بأن الأخلاق ظاهرة اجتماعية. ذلك أن الأخلاق تبدأ حيث التعلق بجماعة، والفرد يجدها تامة التكوين في المجتمع الذي يكون فيه، يكتسبها عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية التي تمنحه المبادئ الأخلاقية، يقول دوركايم: (( ليس هناك سوى قوة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع القوانين للناس هي المجتمع). كما يذهب الفيلسوف ليفي برول إلى أن الأخلاق ظاهرة اجتماعية لها قوانينها حيث يدرس علم الأخلاق الأفعال الإنسانية، كما نلاحظ في الواقع وليست القيم سوى مظهر للجماعة تابع لمعتقداتها وعلومها وفنونها وعلاقاتها بالجماعات الأخرى.
تدعيم الأطروحة بحجج شخصية : إن الفرد يبدأ باكتساب المعايير التي بها يقيم أفعاله ويحكم بها على أفعال الغير، ابتداء من احتكاكه مع الغير، ذلك الاحتكاك يعلمه القانون الجمعوي، الذي أسسته الجماعة، فالفرد قبل قيامه بأي فعل يرجع إلى القوانين التي اكتسبها من الجماعة، وهي التي تشرع له الإجازة أو المنع. إذن فعلا تبدأ الأخلاق عندما يبدأ الارتباط بجماعة ما، وبقدر ما كان الارتباط وثيقا بقدر ما كان التشبع بالقيم الأخلاقية قويا لدى الأفراد، والذي لا يرتبط بالعروة الوثقى للجماعة لا يكون لنفسه مرجعا، ولن تكون لديه أي قيم أخلاقية، بل لا يمكن وصفه حتى بالكائن الأخلاقي. فالضمير الجماعي هو الذي به نستطيع أن نتعايش مع المجموعة التي تعد البيئة والمناخ الذي ذهابها يعدمنا ووجودها يحيينا، وإذا كان واجبنا كأفراد هو إتباع منهج الجماعة، فمن واجب الجماعة أن تتحمل عبء تربيتنا وغرس القيم الاجتماعية فينا، حيث يقول بهذا الصدد دوركايم: (( حين يتكلم ضميرنا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا)) كما يؤكد كذلك قائلا: (( فالمجتمع ليس سلطة أخلاقية فحسب، بل كل الدلائل تؤكد أن المجتمع هو النموذج والمصدر لكل سلطة أخلاقية)).
نقد خصوم الأطروحة: لقد ذهب الاتجاه العقلي إلى أن الإنسان كائن عاقل بالدرجة الأولى وعقله ليس ملكة للفهم والمعرفة فحسب بل هو مصدر الفعل الأخلاقي، وهذا ما عبر عنه كل من أفلاطون وديكارت، لكن  الأخلاق بالمنظور العقلي متسامية وغاية في التجريد، إذ هي منفصلة عن التجربة الواقعية للإنسان، وتقصي العواطف والميول لديه، مع أن الواقع يقرر في كثير من الأحيان أن السلوك الذي ينبع من الوجدان قد يكون أنبل من ذلك الذي ينبعث من العقل بأحكامه المطلقة دون اعتبار للظروف الاستثنائية. كما ذهب أنصار أخلاق اللذة إلى اعتبار أن اللذة هي الخير والفضيلة، والألم هو الشر والرذيلة، وهذا ما عبر عنه كل من أبيقور وأرستيب، لكن الأخذ بمبدأ اللذة كمقياس أخلاقي يعبر عن تصور أناني وشخصي للقيم الأخلاقية، وهذا يؤدي إلى اختلاف الناس في تحكيمه، كما أنه ليس كل لذة خيرا، وليس كل ألم شرا، إضافة إلى أن ربط القيم الأخلاقية باللذة هو انتقاص من قيمة الأخلاق وسموها وقدسيتها. كما ذهب أنصار أخلاق المنفعة إلى أن أكبر ما يمكن من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس هو أساس الأخلاق ومعيارها، أي تحقيق أقصى ما يمكن من المنافع والسعادة واللذات بجماعة معينة، وهذا ما عبر عنه كل من جون استوارت مل و جيرمي بنتام، لكن   هل يمكن أن تتوافق المنافع لدى أفراد المجتمع بصورة عفوية؟ إن الواقع يثبت تضارب المنافع وتصادمها بين الأفراد، وهذا ما يؤدي إلى الصراع، كما أن ربط القيم الأخلاقية بالمنافع يجعلها مجرد قيم تجارية متقلبة مع المصالح  وهذا لا ينسجم مع سمو الأخلاق وشرف القيم.

حل المشكلة : في الأخير يمكن أن نؤكد أن الضمير الأخلاقي ما هو إلا تعبير أو صدى للقوانين الأخلاقية التي يصدرها الوسط الاجتماعي الذي نعيش فيه، وهذا الصدى يتردد في داخلنا فيأمرنا بفعل الخير وينهانا عن فعل الشر، فحينما نقوم الأفعال فإن المجتمع هو الذي يقومها، يقول دوركايم: ( المجتمع، الهواء الذي نتنفسه ولكن لا نشعر بوزنه ).وبالتالي الأطروحة القائلة أن  الأخلاق ظاهرة اجتماعية تتميز بشروطها الموضوعية صحيحة وصادقة ويمكن الأخذ بها وتبنيها

هل اساس القيمة الاخلاقية هو العقل

المقالة الأولى حول الأخلاق ( جدلية):
  إذا كان الإنسان من حيث هو كائن عاقل ، هل يمكن عندئذ القول أن أساس القيمة الأخلاقية هو العقل ؟
- طرح المشكلة : تعد مشكلة أساس القيمة الخلقية من أقدم المشكلات في الفلسفة الأخلاقية وأكثرها إثارة للجدل ؛ إذ تباينت حولها الآراء واختلفت المواقف ، ومن تلك المواقف الموقف العقلي الذي فسر أساس القيمة الأخلاقية بإرجاعها إلى العقل ؛ فهل فعلا يمكن تأسيس القيم الأخلاقية على العقل وحده ؟
محاولة حل المشكلة :
- عرض الأطروحة : يرى البعض ، أن مايميز الإنسان – عن الكائنات الأخرى - هو العقل ، لذلك فهو المقياس الذي نحكم به على الأشياء وعلى سلوكنا وعلى القيم جميعا ، أي أن أساس الحكم على الأفعال و السلوكات وإضفاء طابع أخلاقي عليها هو العقل ، وعليه أٌعتبر المصدر لكل قيمة خلقية . وقد دافع عن هذا الرأي أفلاطون قديما والمعتزلة في العصر الإسلامي وكانط في العصر الحديث .
– الحجة : ويؤكد ذلك أن ( أفلاطون 428 ق م – 347 ق م ) قسم أفعال الناس تبعا لتقسيم المجتمع ، فإذا كان المجتمع ينقسم إلى ثلاث طبقات هي طبقة الحكماء وطبقة الجنود وطبقة العبيد ، فإن الأفعال – تبعا لذلك – تنقسم إلى ثلاثة قوى تحكمها ثلاث فضائل : القوة العاقلة ( تقابل طبقة الحكماء ) وفضيلتها الحكمة والقوة الغضبية ( طبقة الجنود ) وفضيلتها الشجاعة والقوة الشهوانية ( العبيد ) وفضيلتها العفة ، والحكمة هي رأس الفضائل لأنها تحد من طغيان القوتين الغضبية والشهوانية ، ولا يكون الإنسان حكيما إلا إذا خضعت القوة الشهوانية والقوة الغضبية للقوة العاقلة .
- و عند المعتزلة ، فالعقل يدرك ما في الأفعال من حسن أو قبح ، أي أن بإمكان العقل إدراك قيم الأفعال والتمييز فيها بين ما هو حسن مستحسن وماهو قبيح مستهجن ، وذلك حتى قبل مجيء الشرع ، لأن الشرع مجرد مخبر لما يدركه العقل ، بدليل أن العقلاء في الجاهلية كانوا يستحسنون أفعالا كالصدق والعدل والأمانة والوفاء ، ويستقبحون أخرى كالكذب والظلم والخيانة والغدر .. وان الإنسان مكلف في كل زمان ومكان ولولا القدرة على التمييز لسقطت مسؤولية العباد أمام التكليف .
- والعقل عند ( كانط 1724 – 1804 ) الوسيلة التي يميز به الإنسان بين الخير والشر، وهو المشرّع ُ لمختلف القوانين والقواعد الأخلاقية التي تتصف بالكلية والشمولية ، معتبراً الإرادة الخيرة القائمة على أساس الواجب الركيزة الأساسية للفعل لأن الإنسان بعقله ينجز نوعين من الأوامر : أوامر شرطية مقيدة ( مثل : كن صادقا ليحبك الناس ) ، وأوامر قطعية مطلقة ( مثال : كن صادقا ) ، فالأوامر الأولى ليس لها أي قيمة أخلاقية حقيقية ، فهي تحقق أخلاق منفعة ، وتتخذ الأخلاق لا كغاية في ذاتها ، وإنما كوسيلة لتحقيق غاية . أما الأوامر الثاني فهي أساس الأخلاق ، لأنها لا تهدف إلى تحقيق أي غاية أو منفعة ، بل تسعى إلى انجاز الواجب الأخلاقي على انه واجب فقط بصرف النظر عن النتائج التي تحصل منه لذلك يقول : « إن الفعل الذي يتسم بالخيرية الخلقية فعل نقي خالص , وكأنما هو قد هبط من السماء »
- النقد :لكن التصور الذي قدمه العقليون لأساس القيمة الأخلاقية تصور بعيد عن الواقع الإنساني ، فالعقل أولا قاصر وأحكامه متناقضة ، فما يحكم عليه هذا بأنه خير يحكم عليه ذاك بأنه شر فإذا كان العقل قسمة مشتركة بين الناس فلماذا تختلف القيم الأخلاقية بينهم إذن ؟ . كما يهمل هذا التصور الطبيعة البشرية ، فالإنسان ليس ملاكا يتصرف وفق أحكام العقل ، بل هو أيضا كائن له مطالب حيوية يسعى إلى إشباعها ، والتي لها تأثير في تصور الفعل . وأخيرا أن الأخلاق عند كانط هي أخلاق متعالية مثالية لا يمكن تجسيدها على ارض الواقع .
– عرض نقيض الأطروحة : وخلافا لما سبق ، يرى البعض الآخر أن العقل ليس هو الأساس الوحيد للقيم الأخلاقية ، باعتبار أن القيمة الخلقية للأفعال الإنسانية متوقفة على نتائجها وأثارها الايجابية أي ما تحصله من لذة ومنفعة وما تتجنبه من الم ومضرة ، وقد تتوقف القيم الأخلاقية على ما هو سائد في المجتمع من عادات وتقاليد وأعراف وقوانين ، فتكون بذلك صدى لهذه الأطروحة  الاجتماعية ، وقد يتوقففي الأخير - معيار الحكم على قيم الأفعال من خير ( حسن ) أو شر ( قبح ) على الإرادة الإلهية أو الشرع .

– الحجة : وما يثبت ذلك ، أن القيم الأخلاقية ماهي إلا مسألة حسابية لنتائج الفعل ، وهذه النتائج لا تخرج عن تحصيل اللذات والمنافع ؛ فما يحفز الإنسان إلى الفعل هو دائما رغبته في تحصيل لذة أو منفعة لأن ذلك يتوافق مع الطبيعة الإنسانية فالإنسان بطبعة يميل إلى اللذة والمنفعة ويتجنب الألم والضرر ، وهو يٌقدم على الفعل كلما اقترن بلذة أو منفعة ، ويحجم عنه إذا اقترن بألم أو ضرر ، فاللذة والمنفعة هما غاية الوجود ومقياس أي عمل أخلاقي ، وهما الخير الأسمى والألم والضرر هما الشر الأقصى .
- ومن ناحية أخرى ، فإن القيم الأخلاقية بمختلف أنواعها وأشكالها سببها المجتمع , وما سلوك الأفراد في حياتهم اليومية إلا انعكاس للضمير الجمعي الذي يُهيمن على كل فرد في المجتمع . أي أن معيار تقويم الأفعال أساسه المجتمع ، والناس تصدر أحكامها بالاعتماد عليه ، فمثلا الطفل حينما يولد لا تكون لديه فكرة عن الخير أو الشر ، فينشأ في مجتمع – يتعهده بالتربية والتثقيف – يجد فيه الناس تستحسن أفعالا وتستقبح أخرى ، فيأخذ هذا المقياس عنهم ، فيستحسن ما يستحسنه الناس ، ويستقبح ما يستقبحونه ، فإن هو استقبح مثلا الجريمة فلأن المجتمع كله يستقبحها ، ومن ثمّ يدرك أن كل ما يوافق قواعد السلوك الاجتماعي فهو خير وكل ما يخالفها فهو شر . والنتيجة أن القيم الأخلاقية من صنع المجتمع لا الفرد ، وما على هذا الفرد إلا أن يذعن لها طوعا أوكرها ، الأمر الذي جعل دوركايم ( 1858 – 1917 ) يقول : « إذا تكلم ضميرنا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا » ، وكذلك : « إن المجتمع هو النموذج والمصدر لكل سلطة أخلاقية ، وأي فعل لا يقره المجتمع بأنه أخلاقي ، لا يكسب فاعله أي قدر من الهيبة أو النفوذ ».
- ومن ناحية ثالثة ، أن معيار الحكم على قيم الأفعال من خير أو شر يرتد إلى الإرادة الإلهية أو الشرع . فـنحن – حسب (ابن حزم الأندلسي 374هـ - 456 هـ ) – نستند إلى الدين في تقويم الأفعال الخلقية وفق قيم العمل بالخير والفضيلة والانتهاء عن الشر والرذيلة ، ولا وجود لشيء حسنا لذاته أو قبيحا لذاته ، ولكن الشرع قرر ذلك ، فما سمّاه الله حسنا فهو حسن وما سمّاه قبيحا فهو قبيح .
كما أن الأفعال حسنة أو قبيحة – حسب ما يذهب إليه الاشاعرة – بالأمر أو النهي الإلهي ، فما أمر به الله فهو خير وما نهى عنه فهو شر ، أي أن الأوامر الإلهية هي التي تضفي صفة الخير على الأفعال أو تنفيها عنها ، ولذلك – مثلا – الصدق ليس خيرا لذاته ولا الكذب شرا لذاته ، ولن الشرع قرر ذلك . والعقل عاجز عن إدراك قيم الأفعال والتمييز فيها بين الحسن والقبح ، وليس له مجال إلا إتباع ما أثبته الشرع .
- النقد : ولكن النفعيون لا يميزون بين الثابت والمتغير ولا بين النسبي والمطلق لأن القيم الأخلاقية قيم ثابتة ومطلقة ، والأخذ باللذة والمنفعة كمقياس لها يجعلها متغيرة ونسبية ، فيصبح الفعل الواحد خيرا وشرا في آن واحد ، خيرا عند هذا إذا حقق له لذة أو منفعة ، وشرا عند ذاك إذا لم يحقق أيًّا منهما . ثم أن المنافع متعارضة ، فما ينفعني قد لا ينفع غيري بالضرورة ، وأخيرا فان ربط الأخلاق باللذة والمنفعة يحط من قيمة الأخلاق و الإنسان معاً ؛ فتصبح الأخلاق مجرد وسيلة لتحقيق غايات كما يصبح الإنسان في مستوى واحد مع الحيوان .
ثم أن المدرسة الاجتماعية تبالغ كثيرا في تقدير المجتمع والاعلاء من شأنه ، وفي المقابل تقلل أو تعدم أهمية الفرد ودوره في صنع الأخلاق ، والتاريخ يثبت أن أفرادا ( أنبياء ، مصلحين ) كانوا مصدرا لقيم أخلاقية ساعدت المجتمعات على النهوض والتقدم . ومن جهة ثانية ، فالواقع يثبت أن القيم الأخلاقية تتباين حتى داخل المجتمع الواحد ، وكذا اختلافها من عصر إلى آخر ، ولو كان المجتمع مصدرا للأخلاق لكانت ثابتة فيه ولزال الاختلاف بين أفراد المجتمع الواحد .
وبالنسبة للنزعة الدينية فإنه لا يجوز الخلط بين مجالين من الأحكام : - أحكام شرعية حيث الحلال والحرام ، وهي متغيرة وفق مقاصد الشريعة
- وأحكام أخلاقية حيث الخير والشر أو الحسن والقبح ، وهي ثابتة في كل زمان ومكان . مثلا : الكل يتفق على أن الكذب شر ، أما الاستثناء كجواز الكذب في الحرب أو من اجل إنقاذ برئ ( بقصد حفظ النفس الذي هو من مقاصد الشريعة ) فلا يجعل من الكذب خيراً .
 – التركيب : إن الإنسان في كينونته متعدد الأبعاد ؛ فهو إضافة إلى كونه كائن عاقل فإنه كائن بيولوجي أيضا لا يتواجد إلا ضمن الجماعة التي تؤمن بمعتقد خاص ، وهذه الأبعاد كلها لها تأثير في تصور الإنسان للفعل الأخلاقي وكيفية الحكم عليه . فقد يتصور الإنسان أخلاقية الفعل بمقتضى ما يحكم به علقه ، أو بمقتضى ما يهدف إلى تحصيله من وراء الفعل ، أو بمقتضى العرف الاجتماعي أو وفق معتقداته التي يؤمن بها .
حل المشكلة : وهكذا يتضح أن أسس القيم الأخلاقية مختلفة ومتعددة ، وهذا التعدد والاختلاف يعود في جوهره إلى تباين وجهات النظر بين الفلاسفة الذين نظر كل واحدا منهم إلى المشكلة من زاوية خاصة ، أي زاوية المذهب أو الاتجاه الذي ينتمي إليه . والى تعدد أبعاد الإنسان ، لذلك جاز القول أن العقل ليس الأساس الوحيد للقيم الأخلاقية .

أصل الرياضيات العقل ام التجربة

  مقالة جدلية : أصل الرياضيات العقل ام التجربة مقالات فلسفية المقدمة : إن من طبيعة الإنسان العاقلة انه دائم البحث والتأمل عما يحيط به لا...