‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقلات حول الابداع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقلات حول الابداع. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 يونيو 2015

وهل تعتمد الذاكرة على الدماغ فقط أم تحتاج الى غير ذالك ؟

 بطريقة الجدلية
إذا كنت أمام موقفين متعارضين يقول أولهما (إن الذاكرة حادثة بيولوجية )و يقول ثانيهما (إن الذاكرة حادثة فردية)مع العلم أن كلاهما صحيح في سياقه و نسقه ويدفعك القرار إلى أن تفصل في الأمر فتضع التفسير الحقيقي للذاكرة فما عساك أن تفعل؟
مقدمة:
تتأثر أفعالنا اتجاه المشكلات التي تعترضنا بمكتسبات تجاربنا السابقة وليس انقطاع الإدراك في الحاضر معناه زوال الصورة الذهنية المدركة,بل إن الإنسان يتميز بقدرته اختزان تلك الصورة مما يجعله يعيش الحاضر والماضي معا وهذا ما يسمى بالذاكرة وهي القدرة على استعادة الماضي مع معرفتنا أنه ماضي, وقد اختلف الفلاسفة في تفسير طبيعة الذاكرة وحفظ طبيعة الذكريات هل هي عضوية لهما مكان معين في الدماغ أم هي قدرة عقلية نفسية ؟ وهل يمكن تفسير الذاكرة بالاعتماد على النشاط العصبي ؟ وهل تعتمد الذاكرة على الدماغ فقط أم تحتاج الى غير ذالك ؟
عرض الأطروحة الأولى :
يحاول الماديون تفسير الذاكرة تفسيرا ماديا وربطها بخلايا الدماغ, و يقول عنها ابن سينا (أنها قوة محلها التجويف الأخير من الدماغ ) إن ملاحظات "ريبو" على حالات معينة مقترنة بضعف الذاكرة أو بفقدانها كحالة ( الفتاة التي أصيبت برصاصة في المنطقة اليسرى من الدماغ فوجد أنها فقدت قدرة التعرف على المشط الذي كانت تضعه في يدها اليمنى إلا أنها بقية تستطيع الإحساس به فتأكد له أن إتلاف بعض الخلايا في الجملة العصبية نتيجة حادث ما يؤدي مباشرة إلى فقدان جزئي أو كلي للذاكرة و جعلته يستنتج أن الذاكرة وظيفة عامة للجهاز العصبي. و لقد تأثرت النظرية المادية بالمقولة الديكارتية القائلة بأن الذاكرة تكمل في ثنايا الجسم و أن الذكريات تترك أثر في المخ كما تترك الذبذبات الصوتية على أسطوانات التسجيل، و كان المخ وعاء يستقبل و يختزن مختلف الذكريات، و هي تثبيت بطريقة آلية. أي شبيهة بالعبادة و لقد أستطاع "ريبو" أن يحدد مناطق معينة لكل نوع من الذكريات و يعيد 600 مليون خلية متخصصة لتسجيل كل الإنطباعات التي تاتينا من الخارج مستفيدا مما أثبته بعد تجارب بروكا من أن نزيفاً دمويا في قاعدة التلفيف من ناحية الجهة الشمالية يولد مرض الحبسة و أن فساد التلفيف الثاني من يسار الناحية الجدارية يولد العمى اللفظي و غيرها، و يقول ريبو ( إن الذاكرة ظاهرة بيولوجية بالماهية و ظاهرة بسيكولوجية بالعرض) و من خلال كتابه أمراض الذاكرة رأى ( إن الذاكرة بطبيعتها عمل بيولوجي).
مناقشة :
لو كانت الذكريات مخزونة في خلايا القشرة الدماغية فكيف تفسر زوال جميع الذكريات أحياناً و ضعف التذكر أحياناً أخرى.
عرض الأطروحة الثانية :
يرى "برغسون" أن الذاكرة نوعان- ذاكرة حركية تثمتل في صور عادات آلية مرتبطة بالجسم و هي ليست موجودة فيه ... إنها ديمومة نفسية أي روح و يعرف لالاند الذاكرة بأنها وضيفة نفسية تمثل في بناء حالة شعورية ماضية و يرى "برغسون" بأن عملية التذكر تتحكم فيها مجموعة من العوامل النفسية كالرغبات و الميول و الدوافع فبمقدرة الشاعر على حفظ الشعر أكبر من قدرة الرياضي. و مقدرة الرياضي في حفظ الأرقام والمسائل الرياضية أكبر من مقدرة الفيلسوف... و هكذا، و الفرض في حالة القلق والتعب يكون أقل قدرة على الحفظ، و هذا بالإضافة إلى سمات شخصية التي تأثر إيجابا و سلباً على القدرة على التعلم و التذكر كعامل السن و مستوى الذكاء و الخبرات السابقة ... و منه و حسب "برغسون" أن وظيفة الدماغ لا تتجاوز المحافظة على آليات الحركية أما الذكريات فتبقى أحوال نفسية محضة.
مناقشة :
إن "برغسون" لا يقدم لنا أي حل للمشكل عندما أستبدل الآثار الفيزيولوجية المخزنة في الدماغ بآثار نفسية أو صور عقلية مخزنة في اللاشعور و هو لم يفسر لنا كيف تعود الذكريات إلى سطح اللاشعور عن طريق إثارتها كمعطيات ماضية، كما أن الفصل المطلق بين ما هو جسمي و ما هو نفسي أمر غير ممكن واقعياً.
التركيب:
إذا كان "ريبو" أعاد الذاكرة إلى الدماغ، و إذا كان "برغسون" أرجعها إلى النفس فإنها هالفاكس في النظرية الاجتماعية يرجعها إلى مجتمع يقول ) ليس هناك ما يدعو للبحث عن موضوع الذكريات و أين تحفظ إذ أنني أتذكرها من الخارج ... فالزمرة الاجتماعية التي انتسب إليها هي التي تقدم إلي جميع الوسائل لإعادة بنائها) و يقول أيضا ( إنني عندما أتذكر فإن الغير هم الذين يدفعونني إلى التذكر و نحن عندما نتذكر ننطلق من مفاهيم مشتركة بين الجماعة) إن ذكرياتنا ليست استعادة لحوادث الماضي بل تجديد لبنائها وفقاًَ لتجربة الجماعة و أعتبر "بيار" جاني ( أن الذاكرة الاجتماعية تتمثل في اللغة و أن العقل ينشئ الذكريات تحت تأثير الضغط الاجتماعي و لا يوجد ماضي محفوظ في الذاكرة الفردية كما هو و الماضي يعاد بنائه على ضوء المنطق الاجتماعي.
الخاتمة :
و أخيراً نستنتج أن الذاكرة هي وضيفة تكاملية بين الجسم و النفس و المجتمع و يقول "دولاكروا" إن التذكر نشاط يقوم به الفكر و يمارسه الشخص فيبث فيه ماضيه تبعا لاهتماماته و أحواله و يبقى كل قول صحيح في سياقه و نسقه.


هل الإبداع من طبيعة نفسية أو اجتماعية ؟

الموضوع : تحليل مقال فلسفي                                                         
نص المقال : هل الإبداع من طبيعة نفسية أو اجتماعية ؟

طرح المشكلة  : إن استقراء تاريخ الحضارات يكشف لنا أن الأمم التي لها ذكر في التاريخ عبر أزمانه  إنما هي  أمم على درجة من الإبداع سواء في المجال الفني أو العلمي أو الفلسفي...  وبالنظر إلى أهمية الإبداع في وجود الأمة واستمرارها فقد كان موضوع دراسة بعض الفلاسفة والعلماء ,قصد تفسير طبيعته وبيان الدوافع التي تحفز المبدعين وتدفعهم إلى الإنتاج الإبداعي .
   ومن بين الإشكاليات التي أثيرت بشأن تفسير ظاهرة الإبداع نذكر : هل الإبداع عملية سحرية يمتاز بها عدد من البشر الملهمين ؟ أو هو ظاهرة وضعية تتحدد بشروطها الاجتماعية ؟ وبمعنى أشمل : هل الإبداع من طبيعة نفسية أو من طبيعة اجتماعية ؟  
محاولة حل المشكلة :
الرأي الأول الموقف القائل :( إن الإبداع من طبيعة نفسية )  إن الإبداع من منظور النظرية النفسية ظاهرة نجدها عند البعض الأفراد ولا نجدها عند غيرهم بدليل إن العباقرة الذين كانوا وراء التغيرات الحادثة في تاريخ الفكر والحضارة يمتازون بخصائص نفسية وقدرات عقلية , وكل ما يشحذ الذات ويدفعها إلى الإبداع من دوافع وانفعالات سارة أو مؤلمة تساعد على انجاز العمل الإبداعي . ومن المفكرين والفلاسفة الذين أكدوا أن الإبداع كشف يطالع النفس ويشرق في جوانبها فجأة عالم الكلام – حجة الإسلام –( أبو حامد الغزالي ) حيث قال : " إن الإلهام كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف لطيف فارغ " . وأكد عالم الطبيعة الفرنسي (جوس ) نفس الفكرة حيث قال : " وأخيرا ... نجحت لا لأنني بذلت جهودا مضنية , ولكن بهبة من الله كأن إشراقا حدث فجأة وحل اللغز ." إذن الإلهام لحظات قصيرة تتفتق فيها عبقرية الإنسان عن إبداعات قد تحدث في لحظات مغايرة للمنطق فتكون أثرا لا يقاس على مثال .فقد ذكر أفلاطون في محاورة ( أيون ) والتي تحدث فيها عن الإلياذة وهوميروس : " إن الشاعر كائن أثيري مقدس , ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن  يلهم , فيفقد صوابه وعقله , ومدام الإنسان يحتفظ بعقله فانه لا يستطيع أن ينظم الشعر ". و يقال أن  (فاجنر ) سمع في منامه اللحن الأساسي الذي يتردد في افتتاحية رائعته الموسيقية  ( ذهب الرين ) . ويحكى عن الشاعر الانجليزي (كولردج ) أنه كان يطالع ذات صباح فغلبه النعاس ثم أفاق من نومه وأخذ يخط بسرعة قصيدته المشهورة ( كوبلاخان ) حتى وصل إلى البيت 54 منها ...ثم خمدت نار الإلهام فكف عن الكتابة وترك القصيدة ولم يعد لها قط . غير أن الموهبة والإلهام بدون عمل وجهد لا معنى لهما . فلقد عبر( بوانكريه ) عن اكتشافاته الرياضية بأنها بدت له فجأة وفي مناسبات لم يكن يفكر أثناءها  في هذه الموضوعات لكن حدث هذا بعد جهود السنين الطوال فتظهر له الحلول فجأة في صورة الهام غير متوقع لذلك قال :  " إن الحظ يحالف النفس المهيأة " . ويؤكد الفيلسوف الفرنسي ( هنري برغسون ) أن لعملية الإبداع أصول نفسية عميقة , وهي كثيرا ما تكون مصحوبة بمظاهر انفعالية حادة إذ ذكر : " أن العظماء الذين يتخيلون الفروض , و الأبطال ,  والقديسين الذين يبدعون المفاهيم الأخلاقية , لا يبدعونها في حالة جمود الدم , وإنما يبدعون في جو حماسي و تيار ديناميكي تتلاطم فيه الأفكار " . و تذهب مدرسة التحليل النفسي إلى بيان أن الإبداع ظاهرة نفسية لاشعورية ففرو يد يرى أن التسامي هو المسئول عن كل الانجازات الحضارية التي قام بها الإنسان : " إن الصراعات الجنسية الطفيلية والرغبات العدوانية التي تؤدي إلى السلوك العصابي لدى من لا يستطيعون حلها حلا سويا , هي نفسها التي يحلها المبدع عن طريق التسامي أو الإعلاء فينشأ عن ذلك أشكال النشاط الإبداعي المختلفة " .
مناقشة : أن الأدلة التي أستند إليها القائلون بالطبيعة النفسية للإبداع لا تشكل دليلا قاطعا على صحة هذا الرأي فالموهبة والذكاء الفطري الحاد إذا لم يجدا البيئة المناسبة التي ينموان  من فأنها حتما سيضمحلان . كما أن الإلهام ليس ضربا من الوهم  فهو مهما كانت صفته فأن مصدره الواقع إذ أن المبدع وإن كان يتجاوز بخياله الواقع إلا أنه ينطلق منه . كما أن تفسير ( فرويد )لم تؤِكده التجربة العلمية .
الرأي الثاني  الموقف القائل :( إن الإبداع من طبيعة اجتماعية )  غير أن المبدع في نظر الفلاسفة الاجتماعين لا يستمد مادة إبداعه من واقع المجتمع فحسب , بل إن نشاطه يعتبر ظاهرة اجتماعية مثل بقية الظواهر الاجتماعية الأخرى وهذا ما يراه ( دوركايم ) وبين أن عملية الإبداع مهما تعددت مجالاتها تتحكم فيها شروطا اجتماعية  , لان الإبداع يتوقف من جهة أخرى على حاجات المجتمع , وعلى درجة النمو التي بلغها من جهة أخرى .فالإبداع من هذا المنظور يعتبر تراثا اجتماعيا تتناقله الأجيال , ومدام الفرد من صنع الجماعة فلابد أن تكون سلوكا ته بما فيها السلوكات الإبداعية من نتاج المجتمع . إن الفنانين والعلماء لا يبدعون لأنفسهم و وإنما وفق ما يحتاج أليه المجتمع , وما يسمح به  وكل تراث علمي أو فني هو شاهد على روح العصر و الثقافة السائدة في المجتمع  فأدب الفروسية هو تجسيد لطبيعة المجتمع القبلي , واختراع وسائل الحرب ما هو إلا وسيلة للمحافظة على كيان المجتمع ... كما أن المصباح الكهربائي الذي اخترعه ( أيدسون ) دعت إليه حاجة المجتمع للإنارة , وكذلك وسائل النقل
وهذا يدل على أن المبدع لا يعالج إلا المشاكل التي تظهر في وسطه الاجتماعي , ولا يبدع أي شيء إلا إذا توفر ت لديه جملة من الشروط الاجتماعية منها ما يتعلق بالشروط الاقتصادية فالإبداع سمة المجتمعات الراقية المتطورة حضاريا و المزدهرة اقتصاديا . وكذلك المجتمعات التي لايتوفر فيها الأمن و الاستقرار و الحياة الاجتماعية العادلة لايمكن أن توفر شروط الإبداع .
مناقشة : وعلى الرغم من أن المبدع يستقي مادة إبداعه من الواقع الاجتماعي , عملية الإبداع تحمل في طياتها بصمات تعبر عن حرية العقل ذلك أن الأ فكار الجديدة غالبا ما تقابل بالرفض من قبل المجتمع إن كانت تخالف عاداته ومعتقداته وهدا ما حدث ل (غاليي )  عندما اكتشف فكرة دوران الأرض حول الشمس , حيث قوبلت بالرفض والاستنكار من قبل المجتمع لأنها تتناقص الفكرة السائدة التي تقول بثبات الأرض      وأكد المفكر ( غاستون بوتول) في سياق نقده لفكرة المجتمع كشرط ضروري للإبداع : " فليس هناك فكر بدون ذات مفكرة , ولا إبداع بدون مبدع , فعوامل الإبداع يجب أن توجد كاملة في وظائف المبدع الثقافية التي لا يمكن تصورها طبعا بدون الحياة الاجتماعية التي تقويها وتعمل على التعبير عنها " .  ويؤكد ( روني بوار يل) : " إن الاختراع لا يتحقق في غياب عقل قادر عليه , وان كانت البنيات الثقافية في المجتمع ملائمة
التركيب :من خلال تحليل الرأيين  تتبين مغالاة كل نظرية في تأكيد ما اعتقدت أنه الطبيعة الوحيدة للإبداع والأقرب إلى الموضوعية هو القول إن الإبداع من طبيعة نفسية كم انه من طبيعة اجتماعية . إذ لا يمكن إنكار دور العوامل النفسية في عملية الإبداع , لأن الإبداع تجسيد لما يختلج في النفس من معاني وصور , ولكن تحقيقه يحتاج إلى مناخ اجتماعي  وحضاري يوفر للمبدع حملة من الشروط الاجتماعية التي من دونها تصبح عملية الإبداع أمرا صعبا , مما يجعلنا في النهاية نعتقد أن عملية الإبداع تقوم على التكامل بين الشروط النفسية و الشروط الاجتماعية .
حل المشكلة :نستنتج من خلال ما تقدم إن عملية الإبداع لا تنطلق من العدم , بل لابد أن تستند إلى معطيات موجودة في الواقع فالمبدع ينتقي عناصر إبداعه من هذه المعطيات  غير أنها لوحدها غير كافية فلابد أن ترتكز على القدرة الفطرية على الإبداع . وعليه يمكن القول إن  الإبداع موهبة صقلتها الأعمال والجهود وهيأتها التربية الاجتماعية المناسبة والإلهام هو لحظات اقتطاف تلك الثمرة اليافعة والمفيدة .

هل ترجع عملية الإبداع إلى شروط نفسية فقط ؟( جدلية)

المقالة الثانية حول الإبداع : 

هل ترجع عملية الإبداع إلى شروط نفسية فقط ؟( جدلية)


- طرح المشكلة : إن الإبداع هو إيجاد شيء جديد ، وذلك ما يكشف عن اختلافه عن ماهو مألوف ومتعارف عليه ، وعن تحرره من التقليد ومحاكاة الواقع . ومن جهة أخرى ، فإن عدد المبدين – في جميع المجالات – قليل جدا مقارنة بغير المبدعين ، وهو ما يوحي أن تلك القلة المبدعة تتوافر فيها صفات وشروط خاصة تنعدم عند غيرهم ، فهل معنى ذلك أن الإبداع يتوقف على شروط ذاتية خاصة بالمبدع ؟
محاولة حل المشكلة :
– عرض الأطروحة : يرى بعض العلماء ، أن الإبداع يعود أصلا إلى شروط نفسية تتعلق بذات المبدع وتميزه عن غيره من غير المبدعين كالذكاء وقوة الذاكرة وسعة الخيال والاهتمام والإرادة والشجاعة الأدبية والجرأة والصبر والرغبة في التجديد  إضافة إلى الانفعالات من عواطف وهيجانات مختلفة . ومن يذهب إلى هذه الوجهة من النظر الفيلسوف الفرنسي ( هنري برغسون ) والعالم النفساني ( سيغموند فرويد ) الذي يزعم أن الإبداع يكشف عن فاعلية اللاشعور وتعبير غير مباشر عن الرغبات المكبوتة .
- الحجة : ويؤكد ذلك ، أن استقراء حياة المبدعين – في مختلف ميادين الإبداع – يكشف أن هؤلاء المبدعين إنما يمتازون بخصائص نفسية وقدرات عقلية هيأتهم لوعي المشاكل القائمة وإيجاد الحلول لها .
فالمبدع يتصف بدرجة عالية من الذكاء والعبقرية ، فإذا كان الذكاء – في احد تعاريفه – قدرة على حل المشكلات ، فإنه يساعد المبدع على طرح المشاكل طرحا صحيحا وإيجاد الحلول الجديدة لها . ثم أن المبدع في تركيبه لأجزاء وعناصر سابقة لإبداع جديد إنما يكشف في الحقيقة عن علاقة بين هذه الأجزاء أو العناصر ، والذكاء – كما يعرف أيضا – هو إدراك العلاقات بين الأشياء أو الأفكار .
واصل كل إبداع التخيل المبدع ، والتخيل – أصلاهو تمثل الصور مع تركيبها تركيبا حرا وجديدا ، لذلك فالإبداع يقتضي مخيلة قوية وخيالا واسعا خصبا ، فكلما كانت قدرة الإنسان على التخيل أوسع كلما استطاع تصور صور خصبة وجديدة ، وفي المقابل كلما كانت هذه القدرة ضيقة كان رهينة الحاضر ومعطيات الواقع .
ويشترط الإبداع ذاكرة قوية ، فالعقل لا يبدع من العدم بل استنادا إلى معلومات وخبرات سابقة التي تقتضي تذكرها ، لذلك فالذاكرة تمثل المادة الخام والعناصر الأولية للإبداع .
هذا ، واستقراء حياة المبدعين وتتبع أقوالهم وهم يصفون حالاتهم قبل الإبداع اواثنائه ، يؤكد دور الإرادة والاهتمام في عملية الإبداع ، فمن كثرة اهتمام العالم الرياضي الفرنسي ( بوانكاريه ) بإيجاد الحلول الجديدة للمعادلات الرياضية المعقدة ، غالبا ما كان يجد تلك الحلول وهو يضع قدميه على درج الحافلة ، وهذا ( ابن سينا ) قبله من شدة اهتمامه بمواضيع بحثه كثيرا ما كان يجد الحلول للمشكلات التي استعصت عليه إثناء النوم . والعالم ( نيوتن ) لم يكتشف قانون الجاذبية لمجرد سقوط التفاحة ، وإنما كان يفكر باهتمام بالغ وتركيز قوي في ظاهرة سقوط الأجسام ، وما سقوط التفاحة الا مناسبة لاكتشاف القانون .
وما يثبت دور الحالات الوجدانية الانفعالية في عملية الإبداع أن التاريخ يثبت – على حد قول برغسون – ان « كبار العلماء والفانين يبدعون وهم في حالة انفعال قوي » . ذلك ان معطيات علم النفس كشفت ان الانفعالات والعواطف القوية تنشط المخيلة التي هي المسؤولية عن عملية الإبداع . وبالفعل ، فاروع الإبداعات الفنية والفكرية تعبر عن حالات وجدانية ملتهبة ، فلقد اجتمعت عواطف المحبة الأخوية والحزن عند ( الخنساء ) فأبدعت في الرثاء .
ولما كان الإبداع هو إيجاد شيئ جديد ، فما هو جديد – في جميع المجالات – يقابل برفض المجتمع لتحكم العادة ، فمثلا أفكار( سقراط ) و ( غاليلي ) قوبلت بالرفض والاستنكار ، ودفعا حياتهما ثمنا لأفكارهما الجديدة ، وعليه فالمبدع إذا لم يتصف بالشجاعة الفكرية والأدبية والروح النقدية والميل إلى التحرر .. فإنه لن يبدع خشية مقاومة المجتمع له .
- النقد : ولكن الشروط النفسية المتعلقة بذات المبدع وحدها ليست كافية لحصول الإبداع ، إذ معنى ذلك وجود إبداع من العدم . والحقيقة انه مهما طالت حياة المبدع فانه من المحال ان يجد بمفرده أجزاء الإبداع ثم يركبها من العدم . ومن جهة أخرى ، فالذكاء – الذي يساهم في عملية الابداع – وان كان في أصله وراثيا ، فإنه يبقى مجرد استعدادات فطرية كامنة لا تؤدي الى الابداع مالم تقم البيئة الاجتماعية بتنميتها وإبرازها . كما يستحيل الحديث عن ذاكرة فردية محضة بمعزل عن المجتمع . واخيرا ، فإن ان هذه الشروط حتى وان توفرت فهي لا تؤدي الى الإبداع مالم تكن هناك بيئة اجتماعية ملائمة تساعد على ذلك . وهذا يعني ان للمجتمع نصيب في عملية الإبداع .
عرض نقيض الأطروحة : وعلى هذا الأساس ، يذهب الاجتماعيون إلى ان الإبداع ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى ، تقوم على ما يوفره المجتمع من شروط مادية او معنوية ، تلك الشروط التي تهيئ الفرد وتسح بالإبداع . وهو ما يذهب إليه أنصار النزعة الاجتماعية ومنهم ( دوركايم ) الذي يؤكد على ارتباط صور الإبداع المختلفة بالأطر الاجتماعية .

– الحجة : وما يثبت ذلك ، أن الإبداع مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية اما لجلب منفعة او دفع ضرر ، فالحاجة هي التي تدفع إلى لإبداع وهي ام الاختراع ، وتظهر الحاجة في شكل مشكلة اجتماعية ملحة تتطلب حلا ، فإبـداع ( ماركس ) لفكرة " الاشتراكية " انما هو حل لمشكلة طبقة اجتماعية مهضومة الحقوق ، و اكتشاف " تورشيلي " لقانون الضغط جاء كحل لمشكلة اجتماعية طرحها السقاءون عند تعذر ارتفاع الماء إلى أكثر من 10.33م .
كما ان التنافس بين المجتمعات وسعي كل مجتمع إلى إثبات الوجود ما يجعل المجتمع يحفز أفراده على الإبداع ويوفر لهم شروط ذلك ؛ فاليابان – مثلا – لم تكن شيئا يذكر بعد الحرب العالمية الثانية ، لكن تنافسها الاقتصادي مع أمريكا واروبا الغربية جعل منها قوة خلاقة مبدعة . كما ان التنافس العسكري بين أمريكا والاتحاد السوفياتي سابقا أدى الابداع في مجال التسلح وكما ترتبط ظاهرة الابداع بحالة العلم والثقافة القائمة ؛ وما يثبت ذلك مثلا انه من المحال ان يكتشف المصباح الكهربائي في القرن السابع ، لأنه كإبداع يقوم على نظريات علمية رياضية فيزيائية لم تكن متوفرة وقتذاك . ولم يكن ممكنا اكتشاف الهندسة التحليلية قبل عصر ( ديكارت ) ، لأن الجبر والهندسة لم يبلغا من التطور ما يسمح بالتركيب بينهما . ولم يبدع شعراء كبار مثل ( المتنبي ، أبو تمام .. ) الشعر المسرحي في عصرهم ، لأن الأدب المسرحي لم يكن معروفا حينذاك . وتعذر على ( عباس بن فرناس ) الطيران ، لأن ذلك يقوم على نظريات علمية لم تكتشف في ذلك العصر ويرتبط الإبداع – ايضا - بمختلف الظروف السياسية ؛ حيث يكثر الابداع اليوم في الدول التي تخصص ميزانية ضخمة للبحث العلمي وتهيئ كل الظروف التي تساعد عى الإبداع . ولقد عرفت الحضارة الاسلامية ازهى عصور الابداع ، لما كان المبدع يأخذ مقابل إبداعه ذهبا وتشريفا .
- النقد : غير ان التسليم بأن الشروط الاجتماعية وحدها كافية لحصول الإبداع يلزم عنه التسليم أيضا أن كل أفراد المجتمع الواحد مبدعين عند توفر تلك الشروط وهذا غير واقع . كما ان الاعتقاد ان الحاجة ام الاختراع غير صحيح ، فليس من المعقول ان يحصل اختراع او إبداع كلما احتاج المجتمع الى ذلك مهما وفره من شروط ووسائل . وما يقلل من أهمية الشروط الاجتماعية هو أن المجتمع ذاته كثيرا ما يقف عائقا أمام الإبداع ويعمل على عرقلته ، كما كان الحال في اروبا إبّـان سيطرة الكنيسة في العصور الوسطى .
 التركيب : ان الإبداع كعملية لا تحصل إلا إذا توفرت لها شروط ذلك ، فهي تتطلب أولا قدرات خاصة لعلها لا تتوفر عند الكثير ، مما يعني ان تلك القلة المبدعة لم تكن لتبدع لولا توفرها على تلك الشروط ، غير انه ينبغي التسليم ان تلك الشروط وحدها لا تكفي ، فقد تتوفر كل الصفات لكن صاحبها لا يبدع ، مالم يجد مناخ اجتماعي مناسب يساعده على ذلك ، مما يعني ان المجتمع يساهم بدرجة كبيرة في عملية الإبداع بما يوفره من شروط مادية ومعنوية ، مما يؤدي بنا إلى القول أن الإبداع لا يكون الا بتوفر الشروط النفسية والاجتماعية معا .
حل المشكلة : وهكذا يتضح ان عملية الابداع لا ترجع الى شروط نفسية فقط ، بل وتتطلب بالإضافة إلى ذلك جملة من الشروط الاجتماعية فالشروط الاولى عديمة الجدوى بدون الثانية ، الأمر الذي يدعونا ان نقول مع ( ريبو ) : « مهما كان الابداع فرديا ، فإنه يحتوي على نصيب اجتماعي » .

أصل الرياضيات العقل ام التجربة

  مقالة جدلية : أصل الرياضيات العقل ام التجربة مقالات فلسفية المقدمة : إن من طبيعة الإنسان العاقلة انه دائم البحث والتأمل عما يحيط به لا...