الجمعة، 10 يونيو 2016

هل يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجريب

المقالة الجدلية الأولى : إمكانية اخضاع العلوم الإنسانية للتجريب
نص السؤال : هل يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجريب
طرح المشكلة:
تعتبر الظواهر الطبيعية من أكثر الظواهر استعمالا التجريب وبقدر ما تتعقد الظاهرة أكثر بقدر ما يصعب التجريب عليها ومن الأكثر الظواهر تعقيدا الظاهرة الإنسانية فمادام الإنسان يتأثر ويؤثر في الآخرين وهو بذلك يتغير من حال إلى حال آخر ولا يبقى حول وتيرة واحدة وحولها ظهر خلال حاد بين المفكرين والفلاسفة موقف يرى أن العلوم الإنسانية بإمكانها أن تخضع إلى التجريب والبعض الآخر يرى باستحالة التجريب على العلوم الإنسانية والإشكالية المطروحة هل يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية إلى التجريب ؟
محاولة حل المشكلة
أ – الأطروحة : عرض منطوق المذهب الأول وذكر بعض ممثليه
يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجريب وتمثله كل من مالك بن النبي وابن خلدون حيث ذهبوا بالقول إن التجربة أمر ممكن على الظاهرة الإنسانية فهي جزء من الظاهرة الطبيعية ثم سهولة التجربة عليها ودراسة هذه الظاهرة دراسة العلمية ودليلهم على ذلك إن هناك الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية والتاريخية فالدراسة تدل على ومن ثم يستعمل التجربة وهي دراسات علمية خالية من الذاتية وهذا ما نجده عند ابن خلدون والمالك بن النبي وكذلك إن الملاحظة أمرممكن في الظاهرة الإنسانية لأنها ليست نفس الملاحظة المستعملة في الظواهر الطبيعية الأخرى فالملاحظة المستعملة هنا هي ملاحظة غير مباشرة بمعنى أن الباحث يعود إلى الآثار المادية والمعنوية التي لها صلة بالظاهرة المدروسة كذلك إن التجريب في العلوم الإنسانية يختلف عنه في العلوم الطبيعية ففي هاته العلوم يكون التجريب اصطناعي لكن في العلوم الإنسانية فيكون حسب ما تحتويه الظاهرة فالمثل الحوادث التاريخية يكون التجريب عليها عن طريق دراسة المصادر التاريخية الخاصة بهذه الظاهرة وتحليلها وتركيبها إضافة إلى هذا المبدأ السببي المتوفر في الظاهرة الإنسانية لأنها لا تحدث بدون سبب بمعناه أنها ظواهر غير قابلة للمصادفة مثلا سبب حدوث الثورة الجزائرية الاستعمار الذي يقيد الحريات أما مبدأ الحتمية فهو نسبي في هذه العلوم لأنها اليوم كيفية وليست كمية وتعدم وجود مقياس دقيق ومن الصعب أن يقف العالم موقف حياديا في العلوم الإنسانية ولكن هذا لا يعني انه لاستطيع أن يتحرر من أهوائه ورغباته والواقع
النقد شكلا ومضمونا :
شكلا : إما أن تكون الظاهرة الإنسانية تجريبية أو لا تجريبية
مضمونا : مهما حاولت العلوم الإنسانية تحقيق نتائج إلى أنها تبقى تفتقر إلى اليقين والدقة لان القياس أمر صعب التحقيق عليها إضافة إلى تدخل ذات الباحث في التفسير .
ب – نقيض الأطروحة : عرض منطوق المذهب الثاني وذكر بعض ممثليه :
استحالة التجريب على الظواهر الإنسانية يرى أنصار هذا التجريب غير ممكن على الظواهر الإنسانية لان الظواهر لا يمكن دراستها دراسة علمية فهي ترفض كل تطبيق تجريبي نظرا لطبيعة موضوعها وتمييزها بالتعقيد مستدلين على ذلك بأدلة والحجج أن العلوم الإنسانية تختص بالظواهر التي تتعلق بدراسة الإنسان فقط وبالتالي يكون الإنسان دارس ومدروس في نفس الوقت وهذا أمر صعب فهي علوم لا تتوفر على الموضوعية نظرا إلى طغيان التفسيرات الذاتية الخاصة بميول ورغبات الإنسان وهذا يؤدي إلى عدم الإقرار في حقيقة الموضوع ومن ثم تكون الملاحظة والتجربة أمرا غير ممكن في العلوم الإنسانية لان ظواهرها مرتبطة بزمان والمكان عدم تكرار التجربة يجعلها مستحيلة في هذه العلوم فهي ظواهر متغيرة ومعقدة وغير قابلة للتجزيء إضافة إلى هذه العوائق هناك عوائق أخرى تتمثل في تدخل معتقدات وتقاليد المجتمع في شخصية الباحث مما يجعه مقيد بها فعلوم المادة تختلف عن علوم الإنسانية نظرا لعدم تكرار الظاهرة الإنسانية وفي نفس الوقت وفقا للشروط والظروف المحددة هذا ما جعل صعوبة الدقة في التنبؤ لأنه إذا ما تمكن من ذلك استطاع أن يؤثر على هذه الظواهر لإبطال حدوثها أو على الأقل التأكد من حدوثها إن تعقد الظاهرة الإنسانية وتشابكها أدى إلى استحالة إخضاعها للمبدأ الحتمية وبالتالي صعوبة التنبؤ بما سيحدث في المستقبل .
النقد شكلا ومضمونا :
شكلا : إما أن تكون الظاهرة الإنسانية تجريبية أو لا تجريبية لكنها ليست تجريبية إذن فهي تجريبية
مضمونا : لكن التجريب ممكن على الظواهر الإنسانية وذلك لان العلوم الطبيعية تختلف عن العلوم الإنسانية من خلال الموضوع والمنهج.
ج – التركيب :
إن الظاهرة الإنسانية يمكن إخضاعها إلى التجريب لكن المفهوم يختلف عن العلوم الطبيعية وإذا كان المنهجان يختلفان في الخطوات فإنهما يتفقان في النتائج
الموقف الشخصي : يمكن تجريب على الظواهر الإنسانية لكن بمفهوم منسجم وطبيعتها .
حل المشكلة : 
ما نستنتجه مما سبق /إن التجريب ممكن على العلوم الإنسانية لكن هناك بعض العوائق وذلك راجع إلى المنهج أو الموضوع بحد ذاته بحد ذاته

هل يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك


هل يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك ؟
طرح المشكلة: يعتبر الإحساس ظاهرة نفسية و فيزيولوجية أولية متولدة عن تأثر إحدى الحواس بمؤثر ما , وبذلك فهو أداة اتصال بالعالم الخارجي ووسيلة من وسائل المعرفة عند الإنسان بينما الإدراك هو عملية عقلية معقدة نتعرف بها على العالم الخارجي بواسطة الحواس فنقوم بتأويل و تفسير و تحليل الإحساسات و إعطائها معنى في العقل ومن خلال تعريفهما تظهر العلاقة القائمة بينهما والتقارب الكبير الذي يجمعهما لكن هذا ما أثار إشكالا و جدلا كبيرين لدى الفلاسفة و علماء النفس حول طبيعة العلاقة التي تجمعهما فرأى البعض أنه يمكن الفصل بينهما, بينما أعتبر البعض الاخر أنهما عمليتان متصلتان و من هنا نطرح التساؤل التالي هل يمكن التمييز بين وظيفتي الإحساس و الإدراك في التعرف على العالم الخارجي المحيط بنا ؟ أم أنهما عملية واحدة؟
 محاولة حل المشكلة
عرض منطق الأطروحة:يؤكد علم النفس التقليدي على ضرورة الفصل بين الإحساس و الإدراك و يعتبر الإدراك ظاهرة مستقلة عن الإحساس إذ يرى كل من العقليين و التجريبيين أنه من الضروري التمييز بين الإحساس و الإدراك للتعرف على العالم الخارجي الحسي، فالعقليون بزعامة ديكارت و باركلي وآلان يرون أن الإحساس مجرد عملية فيزيولوجية لا توصل الى المعرفة فهو يمدنا بتصورات حسية خالية من المعنى و على النقيض من ذلك يعتبر الإدراك عملية ذهنية معقدة تعتمد على الكثير من العمليات النفسية الأخرى و بواسطتها نتعرف على الأشياء و نعطيها معنى.
أما الحسيون بزعامة أرسطو وجون لوك و دافيد هيوم فيرون أن الإحساس منفصل عن الإدراك و هو أساس اتصالنا بالعالم الخارجي لان كل ما في العقل ليس فطريا بل مستمد من التجربة الحسية
الحجج و البراهين : و ما يثبت أن الإحساس و الإدراك ظاهرتان منفصلتان : ما ذهب إليه(آلان ) (و هو فيلسوف عقلي) في إدراك المكعب ، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ،بالرغم أننا لا نرى إلا ثلاثة أوجه وتسعة أضلاع ، في حين ان للمكعب ستة وجوهو اثني عشرة ضلعا ، لأننا نعلم عن طريق الخبرة السابقة أننا إذا أدرنــاالمكعب فسنرى الأوجه والإضلاع التي لا نراه الآن ، ونحكم الآن بوجودها ، لذلكفإدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس ، بل لنشاط الذهن وأحكامه ، ولولا هذاالحكم العقلي لا يمكننا الوصول الى معرفة المكعب من مجرد الإحساس .
ويؤكد ( باركلي ) ، أن الأكمه ( الأعمى)إذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الأشياء لاصقة بعينيه ويخطئ فيتقدير المسافات والأبعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية او خبرة مسبقة بالمسافاتوالأبعاد . وبعد عشرين (20) سنة أكدت أعمال الجرّاح الانجليزي ( شزلندن ) ذلك .
وحالة الاكمه تماثل حالة الصبي في مرحلةاللاتمايز ، فلا يميز بين يديه والعالم الخارجي ، ويمد يديه لتناول الأشياءالبعيدة ، لأنه يخطئ – أيضا – في تقدير المسافات لانعدام الخبرة السابقة لديه .
أما ( كانط ) فيؤكد ان العين لا تنقل نتيجةالإحساس إلا بعدين من الأبعاد هما الطول والعرض عند رؤية صورة او منظر مثلا ،ورغم ذلك ندرك بعدا ثالثا وهو العمق إدراكا عقليا ، فالعمق كبعد ليس معطى حسيبل حكم عقلي.
و ما يثبت أن الإحساس منفصل عن الإدراك حسب الفلاسفة الحسيين أن من فقد حاسة فقد معرفة فالأعمى بالولادة عاجز عن تصور الألوان و الأصم بالولادة عاجز عن تصور الأصوات حيث يقوا أرسطو: « الإحساس ليس معرفة لكن من فقد حاسة فقد معرفة ». إضافة الى أن الطفل لا يتعرف على العالم الخارجي الحسي الا بعد أن نقدمه له على شكل أشياء حسية كالأشكال الهندسية فهو يبدأ بتحصيلها شيئا فشيئا بواسطة خبراته الحسية بمعنى أن اتصاله بالعالم الخارجي يكون بالإحساس فقط ؛ حيث يقول جون لوك: « لو سألت الانسان متى بدا يعرف لأجابك متى بدأ يحس » كما يؤكد دافيد هيوم أن أفكارنا عن العالم الخارجي ما هي سوى نسخة من انطباعاتنا الحسية حيث يقول: « إن علمنا بأنفسنا و عقولنا يصلنا عن طريق الحواس و ما العقل الا مجرد اثر من آثار العادة ».
النقد:صحيح أن للعقل أهمية كبيرة في تحصيل المعرفة و الاتصال بالعالم الخارجي المحيط بنا لكن لا يمكن الاعتماد على العقل وحده لأنه قد يخطئ في أحكامه بسبب التأثر بالميول و الرغبات و العواطف كما أنه لا يبدع المعرفة من العدم بل يستمدها من الواقع الحسي بواسطة الحواسكما لا يمكن الاعتماد على الحواس وحدها حسب زعم الحسيين لأنها كثيرا ما تخدعنا و تعطينا معارف ناقصة و كاذبة فنحن نرى القمر بحجم القطعة النقدية في حين أنه ضخم جدا و نرى العصا المستقيمة المغموسة في الماء منكسرة لكنها في الحقيقة غير ذلك من هنا تبرز صعوبة التفرقة بين الإحساس و الإدراكبشكل مطلق حيث قال التهانوي : " الإحساس قسم من الإدراك " وقال الجرجاني : " الإحساس إدراك الشيء بإحدى الحواس " .

عرض نقيض الأطروحة:في المقابل يرى أنصار علم النفس الحديث أنه يستحيل الفصل بين الإحساس و الإدراك في التعرف على العالم المحيط بنا و أشهر هؤلاء أنصار مدرسة الجشطالت من بينهم الألمانيان كوفكا و كوهلر والفرنسي بول غيوم ، أن إدراك الأشياء عمليةموضوعية وليس وليد أحكام عقلية تصدرها الذات ، كما انه ليس مجوعة من الإحساسات ، فالعالم الخارجي منظم وفق عوامل موضوعية وقوانين معينة هي " قوانين الانتظام " . ومعنى ذلك ان الجشطالت يعطون الأولوية للعوامل الموضوعيةفي الإدراك ولا فرق عندهم بين الإحساس والإدراك .
الحجج و البراهين: و ما ثبت استحالة الفصل بين هاتين الوظيفتين ان التعرف على الأشياء الخارجية عند الجميع يمر بثلاث مراحل عقلية : ادراك إجمالي ، ادراك تحليلي للعناصر الجزئية وإدراك تركيبي حيث يتم تجميع الأجزاء في وحدة منتظمة .
وفي هذه العملية ،ندرك الشكل بأكمله ولا ندرك عناصره الجزئية ، فإذا شاهدنا مثلا الأمطار تسقط، فنحن في هذه المشاهدة لا نجمع بذهننا الحركات الجزئية للقطرات الصغيرة التي تتألف منها الحركة الكلية ، بل ان الحركة الكلية هي التي تفرض نفسها علينا .
كما ان كل صيغة مدركة تمثل شكلا على أرضية، فالنجوم مثلا تدرك على أرضية هي السماء ، و يتميز الشكل في الغالب بأنه أكثر بروزا ويجذب إليه الانتباه ، أما الأرضية فهي اقل ظهورا منه ، وأحياناتتساوى قوة الشكل مع قوة الأرضية دون تدخل الذات التي تبقى تتأرجح بين الصورتين .
ثم إن الإدراك تتحكم فيه جملة من العوامل الموضوعية التي لا علاقة للذات بها ، حيث أننا ندرك الموضوعات المتشابهة في اللون أو الشكل أو الحجم ، لأنها تشكل في مجموعها " كلا " موحدا، من ذلك مثلا انه يسهل علينا ادراك مجموعة من الجنود أو رجال الشرطة لتشابه الـزي ، أكثر من مجموعة من الرجال في السوق أو الملعب .
وأيضا يسهل علينا ادراك الموضوعات المنقارية في الزمانوالمكان أكثر من الموضوعات المتباعدة ، حيث ان الموضوعات المتقاربة تميل الىتجمع بأذهاننا ، فالتلميذ مثلا يسهل عليه فهم وإدراك درس ما إذا كانت عناصرهمتقاربة في الزمان ، ويحدث العكس إذا ما تباعدت .
و أخيرا ، ندرك الموضوعات وفق صيغتها الفضلى ، فندركالموضوعات الناقصة كاملة مع أنها ناقصة ، فندرك مثلا الخط المنحني غير المغلقدائرة ، وندرك الشكل الذي لا يتقاطع فيه ضلعان مثلثا بالرغم أنهما ناقصان . ويتساوى في ذلك الجميع ، مما يعني ان الموضوعات المدرَكة هي التي تفرض نفسهاعلى الذات المٌدرِكة.
النقد: صحيح أن مدرسة الجشطالت حاولت تجاوز التطرف الذي وقع فيه العقليون و الحسيون بالتركيز على الوظيفتين معا ( الإحساس و الإدراك) لكنها وقعت في نفس الخطأ وهو التطرف فقد مالت الجشطالت نحو العوامل الموضوعية الخارجية و أهملت فعالية العقل فقد جعلوا الشخص المدرك أشبه بآلة التصوير أو مجرد جهاز استقبال فقط مادامت الموضوعاتهي التي تفرض نفسها عليه سواء أراد ذلك أو لم يرد ، مما يجعل منه في النهايةمجرد متلقي سلبي منفعل لا فاعل إذ لا قيمة لموضوع منظم بدون ذات تهتم به و منتبهة له
التركيب: ان عمليتي الإحساس و الإدراك في حقيقة الأمر وجهان مختلفان لعملية نفسية واحدة لذلك لا يجب الفصل بينهما مثلما فعل العقليون و الحسيون و لا تغليب عامل على الاخر على الأخر مثلما فعل الجشطالت أي أنه لا غنى للمعرفة و الاتصال بالعالم الخارجي عن العقل و الحواس معا . الرأي الشخصي: مساهمة مني في حل المشكلة أقول ان الفصل بين الإحساس و الإدراك غير ممكن من الناحية الواقعية لان المعرفة تبدأ من التجربة الحسية المتمثلة فيما تنقله لنا الحواس من انطباعات لكن هذه المعرفة لا يكون لها معنى الا إذا تدخل العقل و رتبها و نظمها و حللها من خلال وظيفة الإدراك حيث يقوا كانط: « الانطباعات الحسية بدون مفاهيم عقلية عمياء و المفاهيم العقلية بدون انطباعات حسية جوفاء »

حل المشكلة: نستنتج في الأخير أن محاولة الفصل بين الإحساس و الإدراك عملية لا جدوى منها من الناحية الواقعية لأنهما متكاملان كما لا يجب تغليب عامل على الاخر لان هذا الفصل أو التغليب ناتج فقط عن التفسيرات المذهبية فالإدراك يتولد من وجود ذات تدرك( العقل) و موضوع يدرك ( الأشياء الحسية) حيث يقول الفيلسوف الفرنسي توماس ريد Thomas Reid

(1769-1710): " الإدراك هو الإحساس المصحوب بالانتباه "

الأربعاء، 18 مايو 2016

هل الادراك محصلة لنشاط الذات ام الموضوع





المقالة الاولى:هل الادراك محصلة لنشاط الذات او تصور لنظام الاشياء ؟ جدلية

هل الادراك محصلة لنشاط الذات ام الموضوع

طرح المشكلة :يعتبر الادراك من العمليات العقلية التي يقوم بها الانسان لفهم وتفسير وتأويل الاحساسات بإعطائها معنى مستمد من تجاربنا وخبراتنا السابقة . وقد وقع اختلاف حول طبيعة الادراك ؛ بين النزعة العقلية الكلاسيكية التي تزعم ان عملية الادراك مجرد نشاط ذاتي ، والنظرية الجشطالتية التي تؤكد على صورة او بنية الموضوع المدرك في هذه العملية ، الامر الذي يدفعنا الى طرح التساؤل التالي : هل يعود الادراك الى فاعلية الذات المٌدرِكة أم الى طبيعة الموضوع المدرَك ؟

II– محاولة حل المشكلة :

أ – عرض الاطروحة :يرى انصار النزعة العقلية أمثال الفرنسيان ديكارت و آلان و الفيلسوف الارلندي باركلي والالماني كانط ، ان الادراك عملية عقلية ذاتية لا دخل للموضوع المدرك فيها ، حيث ان ادراك الشيئ ذي ابعاد يتم بواسطة احكام عقلية نصدرها عند تفسير المعطيات الحسية ، لذلك فالادراك نشاط عقلي تساهم فيه عمليات ووظائق عقلية عليا من تذكر وتخيل وذكاء وذاكرة وكذا دور الخبرة السابقة ... ومعنى هذا ان انصار النظرية العقلية يميزون تمييزا قاطعا بين الاحساس و الادراك .

ب – الحجة :ويؤكد ذلك ، ما ذهب اليه ( آلان ) في ادراك المكعب ، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ، بالرغم اننا لا نرى الا ثلاثة أوجه وتسعة اضلاع ، في حين ان للمكعب ستة وجوه و اثنى عشرة ضلعا ، لأننا نعلم عن طريق الخبرة السابقة أننا اذا أدرنــا المكعب فسنرى الاوجه والاضلاع التي لا نراه الآن ، ونحكم الآن بوجودها ، لذلك فإدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس ، بل لنشاط الذهن واحكامه ، ولولا هذا الحكم العقلي لا يمكننا الوصول الى معرفة المكعب من مجرد الاحساس .

ويؤكد ( باركلي ) ، أن الاكمه ( الاعمى ) اذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الاشياء لاصقة بعينيه ويخطئ في تقدير المسافات والابعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية او خبرة مسبقة بالمسافات والابعاد . وبعد عشرين (20) سنة أكدت اعمال الجرّاح الانجليزي ( شزلندن ) ذلك .

وحالة الاكمه تماثل حالة الصبي في مرحلة اللاتمايز ، فلا يميز بين يديه والعالم الخارجي ، ويمد يديه لتناول الاشياء البعيدة ، لأنه يخطئ – ايضا – في تقدير المسافات لانعدام الخبرة السابقة لديه .

اما ( كانط ) فيؤكد ان العين لا تنقل نتيجة الاحساس الا بعدين من الابعاد هما الطول والعرض عند رؤية صورة او منظر مثلا ، ورغم ذلك ندرك بعدا ثالثا وهو العمق ادراكا عقليا ، فالعمق كبعد ليس معطى حسي بل حكم عقلي .

هذا ، وتؤكد الملاحظة البسيطة والتجربة الخاصة ، اننا نحكم على الاشياء على حقيقتها وليس حسب ما تنقله لنا الحواس ، فندرك مثلا العصا في بركة ماء مستقيمة رغم ان الاحساس البصري ينقلها لنا منكسرة ، و يٌبدي لنا الاحساس الشمس وكانها كرة صغيرة و نحكم عليها – برغم ذلك – انها اكبر من الارض .

كما تتدخل في عملية الادراك جملة من العوامل المتعلقة بالذات المٌدرِكة ؛ منها عمل التوقع ، حيث ندرك الموضوعات كما نتوقع ان تكون وحينما يغيب هذا العامل يصعب علينا ادراك الموضوع ، فقد يحدث مثلا ان نرى انسانا نعرفه لكننا لا ندركه بسهولة ، لأننا لم نتوقع الالتقاء به . وللاهتمام والرغبة والميل دروا هاما في الادراك ، فالموضوعات التي نهتم بها ونرغب فيها و نميل اليها يسهل علينا ادراكها اكثر من تلك البعيدة عن اهتماماتنا ورغباتنا وميولاتنا . كما ان للتعود دورا لا يقل عن دور العوامل السابقة ، فالعربي مثلا في الغالب يدرك الاشياء من اليمين الى اليسار لتعوده على الكتابة بهذا الشكل ولتعوده على البدء دائما من اليمين ، بعكس الاوربي الذي يدرك من اليسار الى اليمين . ثم انه لا يمكن تجاهل عاملي السن والمستوى الثقافي والتعليمي ، فإدراك الراشد للاشياء يختلف عن ادراك الصبي لها ، وادراك المتعلم او المثقف يختلف بطبيعة الحال عن ادراك الجاهل . وفي الاخير يتأثر الادراك بالحالة النفسية الدائمة او المؤقتة ، فإدراك الشخص المتفاءل لموضوع ما يختلف عن ادراك المتشاءم له .

جـ - النقد :ولكن انصار هذه النظرية يميزون ويفصلون بين الادراك والاحساس ، والحقيقة ان الادراك كنشاط عقلي يتعذر دون الاحساس بالموضوع اولا . كما انهم يؤكدون على دور الذات في عملية الادراك ويتجاهلون تجاهلا كليا اهمية العوامل الموضوعية ، وكأن العالم الخارجي فوضى والذات هي التي تقوم بتنظيمه .

أ – عرض نقيض الاطروحة :وخلافا لما سبق ، يرى انصار علم النفس الجشطالتي من بينهم الالمانيان كوفكا وكوهلر والفرنسي بول غيوم ، أن ان ادراك الاشياء عملية موضوعية وليس وليد احكام عقلية تصدرها

الذات ، كما انه ليس مجوعة من الاحساسات ، فالعالم الخارجي منظم وفق عوامل موضوعية وقوانين معينة هي " قوانين الانتظام " . ومعنى ذلك ان الجشطالت يعطون الاولوية للعوامل الموضوعية في الادراك ولا فرق عندهم بين الاحساس والادراك .

ب – الحجة :وما يثبت ذلك ، ان الادراك عند الجميع يمر بمراحل ثلاث : ادراك اجمالي ، ادراك تحليلي للعناصر الجزئية وادراك تركيبي حيث يتم تجميع الاجزاء في وحدة منتظمة .

وفي هذه العملية ، ندرك الشكل بأكمله ولا ندرك عناصره الجزئية ، فاذا شاهدنا مثلا الامطار تسقط ، فنحن في هذه المشاهدة لا نجمع بذهننا الحركات الجزئية للقطرات الصغيرة التي تتألف منها الحركة الكلية ، بل ان الحركة الكلية هي التي تفرض نفسها علينا .

كما ان كل صيغة مدركة تمثل شكلا على ارضية ، فالنجوم مثلا تدرك على ارضية هي السماء ، و يتميز الشكل في الغالب بانه اكثر بروزا ويجذب اليه الانتباه ، أما الارضية فهي اقل ظهورا منه ، واحيانا تتساوى قوة الشكل مع قوة الارضية دون تدخل الذات التي تبقى تتأرجح بين الصورتين .

ثم إن الادراك تتحكم فيه جملة من العوامل الموضوعية التي لا علاقة للذات بها ، حيث اننا ندرك الموضوعات المتشابهة في اللون او الشكل او الحجم ، لانها تشكل في مجموعها " كلا " موحدا ، من ذلك مثلا انه يسهل علينا ادراك مجموعة من الجنود او رجال الشرطة لتشابه الـزي ، اكثر من مجموعة من الرجال في السوق او الملعب .

وايضا يسهل علينا ادراك الموضوعات المتقارية في الزمان والمكان اكثر من الموضوعات المتباعدة ، حيث ان الموضوعات المتقاربة تميل الى تجمع بأذهاننا ، فالتلميذ مثلا يسهل عليه فهم وادراك درس ما اذا كانت عناصره متقاربة في الزمان ، ويحدث العكس اذا ما تباعدت .

و اخيرا ، ندرك الموضوعات وفق صيغتها الفضلى ، فندرك الموضوعات الناقصة كاملة مع نها ناقصة ، فندرك مثلا الخط المنحني غير المغلق دائرة ، وندرك الشكل الذي لا يتقاطع فيه ضلعان مثلثا بالرغم انهما ناقصان . ويتساوى في ذلك الجميع ، مما يعني ان الموضوعات المدرَكة هي التي تفرض نفسها على الذات المٌدرِكة

جـ - النقد :ولكن الالحاح على اهمية العوامل الموضوعية في الادراك واهمال العوامل الذاتية لاسيما دور العقل ، يجعل من الشخص المدرك آلة تصوير او مجرد جهاز استقبال فقط مادامت الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه سواء اراد ذلك او لم يرد ، مما يجعل منه في النهاية مجرد متلقي سلبي منفعل لا فاعل .

التركيب :ان الادراك من الوظائف الشديدة التعقيد ، وهو العملية التي تساهم فيها جملة من العوامل بعضها يعود الى

نشاط الذات وبعضها الآخر الى بنية الموضوع ، على اعتبار ان هناك تفاعل حيوي بين الذات والموضوع ، فكل ادراك هو ادراك لموضوع ، على ان يكون لهذا الموضوع خصائص تساعد على ادراكه .

حل المشكلة :وهكذا يتضح ان الادراك لا يعود الى فاعلية الذات فقط او الى بنية الموضوع فحسب ، من حيث انه لا وجود لادراك بدون موضوع ندركه ، على يكون هذا الموضوع منظم وفق عوامل معينة تسهل من عملية ادراكه وفهمه . لذلك يمكننا القول ان الادراك يعود الى تظافر جملة من العوامل سواء صدرت هذه العوامل عن الذات او عن الموضوع

الاثنين، 11 أبريل 2016

الصحة الجسمية والنفسية في القرآن الكريم:



مفهوم الصحة النفسية
هي حالة طمأنينة واتزان وتوافق مع الذات، بحيث يمارس  الإنسان حياته ممارسة طبيعية خالية من الشذوذ والانحراف.
- ورد بمعنى الذات ،كما ورد بمعنى النفس وفق الحالات التي تعتريها:
أ) النفس الأمارة بالسوء:  وهي حالة طغيان جانب الشهوات والرغبات في النفس البشرية.
ب)النفس اللوامة: وهي حالة هيمنة جانب الضمير الإنساني الحي الذي يلوم النفس على
 انحرافها لتعود إلى سواء السبيل.
جـ) النفس المطمئنة: وهي حالة غلبة جانب الخير و الطمأنينة في الدنيا و الآخرة.
وسائل تحقيق الصحة النفسية في الإسلام:
اعتنى الدين الحنيف في بناء شخصية المسلم السوية بغية التحقيق صحة نفسية،بتنمية الصفات
التالية كما يلي:
1- بتقوية الصلة بالله: تتحقق باستحضار مراقبة الله في السر والعلن، والقيام بالطاعات والأذكار، وهي أمر أساسي في بناء شخصية المسلم حتى تكون حياته خالية من القلق والاضطرابات النفسية. بغية الاطمئنان الروحي عن طريق تقوية العلاقة بين المسلم وربه.
2- الثباث  و التوازن الانفعالي: وهو الاستمرار والمداومة على الطاعات دون افراط او تفريط
3- الصبر عند الشدائد: هو ثبات المؤمن عند نزول المصائب والهموم لذالك رتب الله على ذلك الاجر كما اثنى على الصابرين (و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا..)
و يهيئ الإسلام المسلم لتقبل الأقدار والتفاعل مع الواقع في السراء و الضراء عن طريق الشكر.
4- المرونة في مواجهة الواقع: هي ايحابية المسلم في مواجهته لجميع الوقائع فهو شاكر لله عند النعم وثابت عند نزول المصائب وهي من اهم ما يحصن الانسان من القلق او الاضطراب (و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم).
5-التفاؤل و عدم اليأس: وهو حسن الضن بالله وعدم القنوط وفقدان الامل في رحمة الله فالمؤمن متفائل دائما لا يتطرق الياس الى نفسه(قل يا عبادي الذين آمنوا لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا).
6- التزكية و الأخلاق: هي الحرص على تطهير النفس من الرذائل  وتربيتها على مكارم الأخلاق كي تجعل الإنسان محبوبا عند الله وعند الناس وبذالك يسعد الانسان ويعيش متطمئنن
7- بالفهم الصحيح للوجود والمصير: إن إدراك الإنسان للغاية التي خلقه الله تعالى من أجلها في هذه الدنيا وإيمانه بالموت واليوم الآخر، يبعث النفس على الاطمئنان وتأكيد إيمانها بربها
 - توافق المسلم مع نفسه: حيث جعل الاسلام في سن البلوغ وهو قبل سن الرشد مما يجعل المسلم يبدأ حياته العملية وهو يحمل رصيدا من الاسس الايمانية والروحانية تمكنه من التوازن والاستقرار النفسي
 - توافق المسلم مع الاخرين: حيث أشاع الاسلام بين ابناءه التعاون والمودة وهذا يدفع عنهم امراض القلوب كالحسد والبغضاء والشحناء قال تعالى "ولاتستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"
مظاهر عناية القرآن بصحة البدن
أ الإعفاء من بعض الفرائض: اهتم الإسلام بعدم تعريض صحة الجسم إلى ما يضعفها، فقد أسقط في ظروف خاصة الفروض أوخفضها، كجواز الإفطار في رمضان للمريض والمسافر،
ب الوقاية من الأمراض: من خلال تشيع الطهارة خمس مرات في اليوم، كما حرم الإسلام شرب الخمر وكل ما يذهب العقل، ونهى عن الإسراف في المأكل والمشب، وحرم العلاقات غير الشعية
تنمية القوة بمفهومها الحديث: أرشد  الإسلام إلى ضرورة تنمية قوةالجسم وذلك عن طريق ممارسة الرياضة
ـ دعوة الإسلام إلى تطبيق أسس الرعاية الصحية الثلاثة: وهي الوقاية و العلاج
و التأهيل، بالاعتناء بتنمية قوة الجسم و صحته، أو عدم تعريضه إلى ما يضر به،،وهي
الوقاية: الوقاية من الأمراض نتيجة لإهمال في قواعد الصحة العامة، أوالتفريط في الطعام والشاب.
العلاج: أوصى الإسلام بالتداوي، وذلك دفعا للأمراض وصيانة للبدن.
التأهيل: التدرج في علاج الحالات المرضية الصعبة دفعا للعجز.
لوقاية من الامراض وذالك ب :
ان يغتسل للقيام بالعبادات،
نهى الإسلام عن الإسراف في الطعام..
حرم المتعة غير الشرعية كالزنا،و  الخمر ..
حرم العقاقير المضر كالحشيش..
الفوائد والارشادات
1-اعتنى القرأن بصحة الانسان النفسية والجسمية
2-النفس في القرأن اما أمارة بالسوء واما لوامة أو مطمئنة
3-اعتنى القرأن بالصحة الجسمية حيث دعا الى تنمية القوة وتوفير الصحة الايجابية
4-دعا القرأن الانسان الى تطبيق الاسس الصحية من وقاية وعلاج


أصل الرياضيات العقل ام التجربة

  مقالة جدلية : أصل الرياضيات العقل ام التجربة مقالات فلسفية المقدمة : إن من طبيعة الإنسان العاقلة انه دائم البحث والتأمل عما يحيط به لا...