الأحد، 14 يونيو 2015

هل يمكن للممارسة السياسية تجاوز كل اعتبار أخلاقي ؟

نص  السؤال :- هل يمكن للممارسة السياسية تجاوز كل اعتبار أخلاقي  ؟
طرح المشكلة :
لقد واكب  تطور الحياة المعاصرة وإحراز الإنسان تقدما هائلا في المعارف والتكنولوجيا تعقيدا في المشكلات والقضايا السياسية التي تواجهه فمن حروب بين العشائر  تقع وجها لوجه إلي حروب كونية يهدد اندلاعها الحياة الإنسانية بأسرها .
وعلى مدار هذه التحولات ,كان موضوع أسس العمل السياسي وعلاقته بالأخلاق واحدا من أهم محاور المعرفة السياسية والفلسفية والأشكال المطروح في هذا الصدد يتمثل في : هل يمكن أن يستمرا  العمل السياسي باستبعاده القيم الأخلاقية أوان الضامن الوحيد لاستمراره وشرعيته هو استناده للقيم الأخلاقية ؟
محاولة حل المشكلة  :
عرض الموقف الأول  : (الموقف القائل:يمكن للممارسة السياسية تجاوز كل اعتبار أخلاقي )
من الذين تبنوا هذا الموقف نجد المفكر الايطالي(نيكولاس ميكافيلي) (1469-1527) صاحب كتاب الأمير " الذي السياسة وشؤون الدولة عن حدد فيه مقومان أساسيان للحكم أولهما : امتلاك ناصية القوة والحزم وثانيهما استقلال السياسة عن الإطار الأخلاقي والديني.
ورأى(  ميكافيلي )  أن فساد الدولة وتدهور العمل السياسي يرجعان بالدرجة الأولي إلى تبني الحاكم للأخلاق والى تدخل الدين في السياسة و أن الدولة التي تبني سياستها على أسس أخلاقية تنهار بسرعة لذلك دعا الحاكم وليضمن لنفسه البقاء في السلطة الابتعاد عن كل ماهو أخلاقي بل يجب أن يستعمل كل ما لديه من وسائل لذلك فعليه أن يجمع بين قوة الأسد ومكر الثعلب لان معيار الحكم في نظره في مجال السياسة هو نتائج الفعل حيث قال:   " الغاية تبرر الوسيلة والضرورة لا تعترف بالقانون " . وقال أيضا توضيحا لهذا الرأي " إنني اعتقد تماما إن كل إنسان سيوافقني الرأي علي انه من خير الأمير أن يستغل من الصفات ما يشاء في سبيل رفعته غير ناظر إلي قيمة أخلاقية أو دينية فهناك من الفضائل ما قد تؤدي إلي تدهور وانهيار  حكمه كما أن هناك من اللافضائل ما قد تؤدي إلى ازدهاره ورفعته " .
والواقع أن اغلب الحكام وخاصة في القرن العشرين لجئوا إلى الوسائل غير الأخلاقية للاستيلاء على للسلطة والاحتفاظ بها وفي هذا قال موسولوني: "إن السلام الدائم لا هو بالممكن ولا بالمفيد إن الحرب وحدها وبما تحدثه من توتر هي التي تبعث أقصى نشاطات الإنسان وهي التي تضع وسان النبل على صدور أولئك الذين لديهم الشجاعة لمواجهتها." ولقد انتقد الفقيه هانز مورجانتو في كتابه "السياسة بين الأمم" استخدام الوسائل القانونية في حل مشاكل السياسية الدولية وأكد على استخدام القوة التي اعتبرها ملازمة للبشر وبالتالي هي القانون الذي يحكم أو سيود العلاقات الدولية حيث قال :"إن السياسة الدولية,كأية سياسة أخرى هي صراع من أجل السلطة". وأكد نفس المنطلق  الأمريكي كيسنجر حيث قال:"في السياسة ليس ثمة صداقة دائمة أو عداوة دائمة ثمة مصالح دائمة".
مناقشة:
إن القوة وان كانت ضرورية فهي غير كافية لأنها وحدها تؤدي إلى الفوضى .كما أن التاريخ يثبت أن مجمل الأنظمة التي تخلت عن الأخلاق كان مصيرها الفشل والانهيار وهدا ما قصده المفكر الايطالي كروتشه –وهو أحد المعجبين  ميكافيلي- حيث قال:"...فالقوة التي تدوس كل حق تحت أقدامها لابد أن تتقوض في النهاية". فلابد للعمل السياسي أن يقوم على أسس أخلاقية.
الرأي الثاني :( الموقف القائل : يجب أن يقوم العمل السياسي على أسس أخلاقية) :
إن ضرورة اقتران السياسة بالأخلاق ليست بالدعوة المعاصرة فنجد أن الكثير من الفلاسفة رأوا ضرورة ذلك ومنهم أفلاطون  صاحب  كتاب الجمهورية  وابن خلدون الذي رأى أن سقوط الدولة سببه الإغراق في الشهوات  والبطش والابتعاد عن الأخلاق  حيث ذكر في المقدمة : " يعود حسن التصرف في الحكم إلى الرفق , فان الملك إذا كان قاهرا باطشا شمل الناس الخوف والذل وان كان متخلقا اشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه " .
وفي العصر الحديث رأى كانط أن للدولة وظيفة إنسانية وسياسية والغرض من وجودها مساعدة الفرد وتحسين ظروفه فلا يجب مجرد وسيلة. يقول   كانط :"يجب أن يحاط كل إنسان باحترام بوصفه غاية مطلقة في ذاته وليس وسيلة لآي احد " و انتهى كانط إلى ضرورة أن يرتبط كل فعل سياسي بما هو أخلاقي ولقد لخص نظريته في السياسة في كتابه  مشروع السلام الدائم وأكد أن ظاهرة الاستعمار الحديث إنما تعود إلى القوة ( الحكم الاستبدادي ) ومقابل ذلك دعا إلى الحكم الجمهوري القائم على أساس المساواة والعدل . وأعيد طرح المسألة بعد(  ح ع  2) وقد تجسدت في إنشاء هيئة الأمم المتحدة وتضمن ميثاقها الذي صادقت عليه معظم الدول الدعوة إلى التعاون والاحترام وهذا نص الهيئة :(( نحن شعوب الأمم المتحدة  ولقد ألقينا علي أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي خلال جيل واحد جلبت للإنسانية مرتين أحزانا , يعجز عنها الوصف .... وان ندفع بالرقي الاجتماعي قدما وان نرفع مستوي الحياة في وجو من الحرية )) وفي العصر المعاصر ناشد راسل العالم كله إلى ضرورة أن تغير السياسة مجراها حيث قال :"الشيء الوحيد الذي يحررنا نحن البشر هو التعاون ,وأول  خطوة في التعاون تتم في قلوب الأفراد والمألوف أن يتمنى المرء الخير لنفسه .وفي عالمنا المعاصر لن يجدي فتيلا ما لم يصطحبه  تمني المرء الخير للآخرين وهذا مبدأ قديم بشر به رجال حكماء في مختلف العصور ومختلف البقاع "  . ونفس الفكرة أكدها المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث قال:" إذا كان العلم دون ضمير خراب الروح  فأن السياسة دون أخلاق خراب الأمة " .
إن تاريخ الشعوب وواقعها يبين أن العلم في مجال السياسة يتبع الطريقة الميكيافلية ولو بطريقة غير مباشرة . فالمجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة يضمنان حقوق الأقوياء الذين يملكون حق النقض و إلا بم نفسر هذه الحروب والانقسامات داخل الدولة الواحدة؟
التركيب:
من خلال الرأيين السابقين تتبين أن أنصار الرأي الأول إنما أرادوا بدعوتهم تلك تحويل المجتمع الإنساني إلى مجتمع حيواني الغلبة فيه للأقوى ,وان دعاة الأخلاق بقيت دعوتهم مجرد نظريات ومثل متعالية عن الواقع . إن السياسة في المجتمع الدولي تقوم على القوة وتستخدم النوايا الطيبة كذرائع للاستبداد و الاستعمار وقمع الحريات . ولن يتغير هذا الوضع إلا إذا ارتبطت السياسة بالأخلاق قولا فعلا واتخذت من القوة وسيلة لضبط النظام والدفاع عن مصالح البلاد والعباد وهدا ما نجده في قول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي :" الدين والسلطان توأمان ,الدين أس والسلطان حارس فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع " .
" الخاتمة:
إن إشكالية السلطة السياسية من أهم المواضيع في الفكر السياسي والفلسفي , وتزداد الإشكالية أهمية عندما يتعلق الأمر بالأسس التي ينبغي أن تقوم عليها السلطة السياسية وبخاصة الأخلاقية. وفي هذا المقال تعرضنا لأهم أطروحتين في هذا الموضوع ومنه نستنج: الساسة دون أخلاق تؤدي إلى الدمار والسياسة دون قوة تؤدي إلى الضعف والانهيار ومنه لبد للسياسة من الارتكاز على الأخلاق والاستعانة بالقوة كوسيلة متى استلزم الأمر ذلك وعلى أن تكون القوة آخر الخيارات الممكنة.

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أصل الرياضيات العقل ام التجربة

  مقالة جدلية : أصل الرياضيات العقل ام التجربة مقالات فلسفية المقدمة : إن من طبيعة الإنسان العاقلة انه دائم البحث والتأمل عما يحيط به لا...